خواطر مواطن مهموم 432 عن أزمة القيادات السياسية العالمية (1)

د.توفيق اكليمندوس

أتصور ويشاركني في هذا عدد من الأستاذة الكبار الذين علموني ومن الزملاء الأجلاء أن أداء أغلب قادة الدول الكبرى والمتوسطة سيء جدا، يمكن القول إن أداء الرئيس الصيني ورئيستي الوزراء اليابانية والإيطالية متوسط أو فوق المتوسط، ولكن أداء الرؤساء الفرنسي والروسي والأمريكي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني ما بين سيء وكارثي، المراقب مذهول من كم الأخطاء الجسيمة "غير الإجبارية" التي يرتكبونها، وعندما أقول غير إجبارية أقصد أنه كانت هناك خيارات أفضل بوضوح، وأن المعلومات المتاحة والمتوفرة لديهم كانت كفيلة بحثهم على الحرص وتفضيل خيارات أخرى، وإنهم لا يستطيعون ادعاء وجود ظروف مخففة.
المرحلة ليست الأولى من نوعها، في بداية القرن العشرين ارتكب أغلب قادة القارة الأوروبية كما هائلا من الأخطاء أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى التي دمرت القارة، فيما يشبه انتحار جماعي، ولا يمكن قبول التفسير الماركسي بأنها أول حروب الأنظمة الرأسمالية، والتفسير بعدم فهم تأثير التكنولوجيا على الحرب وبعدم استيعاب تطور آليات وأدوات الدول التي سمحت لها بسيطرة كاملة على المجتمع والاقتصاد وتعبئة شاملة لهما تفسير جزئي.
والمرء يتعجب من إصرار القادة على تكرار ارتكاب نفس الخطأ... دخول حرب بمنطق النشالين أي اخطف واجري، دون فهم أنهم يملكون قرار شن الحرب ولكن قرار إيقافها قرار يشترك في صنعه العدو. ارتكب هذا الخطأ قادة دول أوروبا سنة 1914، وارتكبه الرئيس بوش الابن سنة 2003، وارتكبه الرئيس بوتين سنة 2022، وارتكبه الرئيس الأمريكي منذ شهرين. 
السؤال الذي يشغل بالي هو سبب هذا الأداء المريع، هل هو وليد الصدفة أم يكشف أزمة أعمق؟ ويتبعه تحديد مواصفات القائد الناجح، وهل بات من الممكن توافرها في شخص أو فريق واحد في عصرنا هذا؟، وتثار أيضا أسئلة أخرى، هل تعقد الهياكل الاجتماعية والمعارف العلمية والمتغيرات المؤثرة من أسباب إخفاق القادة؟ هل بات من المستحيل إرضاء الشعوب؟ الخ...
يمكن أن نبدأ بعرض سطحي لما قاله العملاقان أفلاطون وأرسطو في القيادة، أفلاطون كان يرى أن حكم الفيلسوف هو في الوقت ذاته الأمثل والمستحيل تماما، الفيلسوف عنده هو الحكيم السوي الملم بكل العلوم والذي صعد متجها إلى سماء الأفكار الخالصة النقية واقترب منها وعاد إلى أعماق الكهوف البشرية لينير الإنسان، وهو لا عابد للعنف لا رافض له تماما، فهو يدرك أن في كل مجتمع عدد من الناس لن يرتدعوا إلا بالقهر، وأنه يجب أحيانا رفض تنفيذ مطالب الشعوب لأنها مُفسِدة.
أما أرسطو فكان يخاطب أساسا فئة معينة من الحكام وهي فئة المشرعين الدستوريين، وكان يرى – أدرك أنني أبسط- أن الحاكم هو من يفهم مجتمعه ويعمل على تحسين الإنسان وتربيته ويوفر له حياة كريمة سعيدة، وخصلة الحاكم الأولى هي الحصافة، أي الجمع بين الإلمام بالقواعد والأصول العامة والقدرة على فهم خصوصية كل حالة، أي أنه يعرف إن كان من الممكن تطبيق القواعد العامة وبأي طريقة، والحصافة هي أيضا قدرة على التعامل الحكيم مع المتغيرات ومع عدم الكمال – لا يوجد كمال في دنيتنا.
هناك آلاف العبر العميقة في أمهات الكتب، ولكنني أكتفي هنا بإبراز تشديدها على النفس السوية وعلى العلم وعلى الحصافة والمرونة الفكرية، كل هذا ضروري لقراءة دقيقة للواقع وللتعامل السليم معه، وأبدأ بطرح سؤال النفس السوية، من الواضح أن البنية النفسية لنسبة معتبرة من القادة المذكورين ليست الأمثل، والسؤال هنا هل نحن أمام مجموعة من الظواهر الفردية العارضة أم أمام مشكلة أعمق؟ وإن كانت المشكلة أعمق هل هذا يعود إلى سمات وخصائص اللعبة السياسية في عصرنا الحالي؟ – تستوي في هذا النظم السلطوية والديمقراطية- أم يعود إلى خلل في تربية الأجيال التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية أم إلى الخلفيات المهنية للقادة؟
يتبع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية