أكد مقال منشور في مجلة التمويل والتنمية التابعة لـصندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة التمويل العالمي، إذ يُستخدم في تقييم الجدارة الائتمانية، وكشف الاحتيال، والتداول الخوارزمي، وتحليل الأسواق، مع قدرته على معالجة كميات ضخمة من البيانات تفوق قدرات التحليل البشري التقليدي.
ورغم المكاسب الكبيرة المرتبطة بهذه التقنيات، وعلى رأسها رفع كفاءة الأسواق وتسريع الاستجابة للمخاطر، حذر بياجو بوسوني، الخبير وكبير المستشارين للمؤسسات المالية، في مقاله المنشور ضمن المجلة التابعة لـصندوق النقد الدولي، من مخاطر متزايدة تتعلق بإمكانية توليد تفاعلات نظامية غير متوقعة، نتيجة السرعة العالية والتفاعل المتزامن بين الخوارزميات، ما قد يؤدي إلى زيادة هشاشة النظام المالي بدلًا من استقراره.
في هذا السياق، استعرض الخبير مقاربة فكرية تستلهم قوانين أسيموف للروبوتات، والتي تقوم على عدم إلحاق الضرر بالبشر، وطاعة الأوامر المشروعة، وحماية الذات، إلى جانب القانون الصفري الذي يفرض حماية البشرية كأولوية قصوى.
وأضاف أنه يجري إعادة تفسير هذه المبادئ لتناسب السياق المالي، بحيث تشمل عدم الإضرار بالاستقرار المالي، والالتزام بالحوكمة المؤسسية، وتعزيز الشفافية وقابلية التفسير، والحفاظ على الثقة في النظام المالي، مؤكدًا أن هذا التشبيه يظل محدودًا نظرًا لغياب البوصلة الأخلاقية لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قدرتها على توليد حلول قد تتجاوز أو تتحايل على القيود الموضوعة لها، ما يجعل الاعتماد على الضوابط البرمجية وحدها غير كافٍ.
وسلط الضوء على مخاطر تسريع الخوارزميات لتفاعل الأسواق بشكل غير مسبوق، ما يؤدي إلى تحركات سعرية حادة ومترابطة، كما حدث في الانهيار الخاطف عام 2010، إذ أسهمت الأنظمة الآلية في تضخيم تقلبات السوق خلال فترة قصيرة قبل تدخل الجهات التنظيمية.
كما أشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في قرارات الائتمان والاستثمار قد يؤدي إلى آثار غير مقصودة، مثل تعميق عدم المساواة إذا تم استبعاد فئات عالية المخاطر بشكل واسع، أو زعزعة استقرار الأسواق إذا ركزت الخوارزميات على تعظيم العائد دون مراعاة الأثر النظامي.
وفي المقابل، أوضح أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة دعم لصنع القرار وليس بديلًا عنه، خاصة في مجالات السياسة النقدية والإشراف المالي وإدارة الأزمات، التي تتطلب حكمًا بشريًا قادرًا على التعامل مع صدمات غير مسبوقة. كما شدد على أهمية تعزيز مفاهيم القدرة على الصمود والمساءلة، من خلال إخضاع النماذج لاختبارات ضغط، وتطوير أطر تنظيمية تتيح للجهات الرقابية فحص الخوارزميات، حتى في حال استخدام أكواد معقدة أو مغلقة.
واختتم بوسوني بأن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة لا يتمثل في تبني الذكاء الاصطناعي أو رفضه، بل في تطوير حوكمة تضمن توظيفه لتعزيز الاستقرار المالي والثقة في النظام، مع الحفاظ على دور الإنسان في إصدار الحكم النهائي، بحيث يظل مستقبل التمويل قائمًا على الخوارزميات، بينما تبقى المسؤولية النهائية بشرية.