تتجه التهدئة المحدودة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مزيد من التآكل، مع دخول الطرفين في مواجهات مباشرة للسيطرة على مضيق هرمز، في تطور يعيد رسم معادلة المخاطر في أسواق الطاقة العالمية ويهدد أحد أهم ممرات النفط في العالم.
وبحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، فإن الاشتباكات البحرية والجوية الأخيرة تُقوّض اتفاق وقف إطلاق النار غير المستقر، وسط تبادل الاتهامات بخرق الهدنة، ما يعكس انتقال الأزمة من مرحلة “احتواء التوتر” إلى “إدارة التصعيد”.
شريان الطاقة العالمي
المواجهات الأخيرة لم تعد مجرد حوادث متفرقة، بل تحمل ملامح صراع منظم للسيطرة على الممر الملاحي، إذ كثّفت الولايات المتحدة عمليات مرافقة الناقلات وتأمين خطوط العبور، في مقابل تحركات إيرانية تستهدف فرض نفوذ ميداني على حركة الملاحة.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله “عنق زجاجة” حاسمًا في تسعير الطاقة. أي اضطراب محدود ينعكس فورًا على الأسعار وتكاليف الشحن والتأمين.
ارتفاع تكلفة المخاطر
البيانات الأولية تشير إلى تباطؤ ملحوظ في حركة السفن، مع عزوف بعض شركات الشحن عن المرور في الممر، أو اشتراط أقساط تأمين مرتفعة بشكل غير مسبوق. هذا الوضع خلق ما يشبه “اختناقًا لوجستيًا جزئيًا”، حتى مع استمرار محاولات فتح ممرات آمنة تحت حماية عسكرية.
اقتصاديًا، لا يقتصر التأثير على جانب الإمدادات فقط، بل يمتد إلى هيكل التكلفة بالكامل، بدءًا من النقل البحري وصولًا إلى أسعار التسليم الفوري، وهو ما يضغط على سلاسل القيمة في قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة به.
على المسار السياسي، تبدو جهود الوساطة محدودة الفاعلية، مع اتساع فجوة الخلافات بين واشنطن وطهران، خصوصًا في ما يتعلق بربط أمن الملاحة بملفات أوسع مثل العقوبات والبرنامج النووي.
هذا الجمود يعزز سيناريو “إدارة الأزمة دون حل”، حيث يستمر التصعيد تحت سقف محسوب، لكنه يظل كافيًا لإبقاء الأسواق في حالة قلق دائم.
انعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق النفط، التي باتت تتحرك وفق “علاوة المخاطر الجيوسياسية” أكثر من العوامل التقليدية للعرض والطلب. فالمتعاملون يسعّرون احتمالات التعطل قبل وقوعه، ما يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة حتى في غياب نقص فعلي في الإمدادات.
كما امتد الأثر إلى الأسواق المالية العالمية، مع اتجاه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، وتراجع شهية المخاطرة في الأسهم، في إشارة إلى انتقال الأزمة من نطاق إقليمي إلى تأثيرات اقتصادية أوسع.
ما يجري في مضيق هرمز يتجاوز كونه أزمة ملاحة، ليعكس صراعًا أعمق على النفوذ في الخليج. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت مبدأ “حرية الملاحة”، تنظر إيران إلى المضيق كأداة ضغط استراتيجية في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
وفي ظل هذا التشابك، تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار، مع بقاء سيناريوهات التصعيد قائمة، ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات أوسع تتجاوز إدارة المرور البحري إلى معالجة جذور التوتر بين الطرفين.
في المحصلة، يقف الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد لمرونة إمدادات الطاقة، في وقت تتزايد فيه هشاشة سلاسل التوريد، ويصبح فيه مضيق هرمز مجددًا مركز ثقل في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي.