تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة غير مسبوقة من التباين الحاد، حيث أدت الحرب على إيران إلى تعطيل جزء كبير من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، في وقت تغرق فيه الولايات المتحدة في فائض من الغاز غير القابل للتصدير، ما يخلق فجوة سعرية وجغرافية عميقة بين الأسواق.
اضطرابات الخليج
تسببت الهجمات المرتبطة بالحرب مع إيران في تعطيل نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، بعد تضرر منشآت التسييل في قطر وتعطل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، نتيجة تهديدات أمنية مباشرة، وفقا لتقرير نشرته وكالة رويترز.
هذا التعطل دفع الدول المستوردة، خاصة في أوروبا وآسيا، إلى سباق محموم لتأمين الإمدادات، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز بنسب حادة وصلت إلى 84% في أوروبا و108% في آسيا، لتتراوح حول 21 إلى 22 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
في المقابل، تعكس السوق الأمريكية صورة مغايرة تمامًا، حيث تراجعت أسعار الغاز في مؤشر Henry Hub بنحو 12% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، لتسجل أدنى مستوياتها في 17 شهرًا عند 2.52 دولار لكل مليون وحدة حرارية.
ورغم أن الولايات المتحدة تعد أكبر منتج ومستهلك ومصدر للغاز عالميًا، فإن بنيتها التحتية تقف عائقًا أمام الاستفادة من ارتفاع الأسعار الدولية، إذ تعمل محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال بكامل طاقتها تقريبًا، كما أن خطوط الأنابيب المحلية ممتلئة، ما يمنع نقل المزيد من الغاز إلى مرافق التصدير.
منتجون يدفعون للتخلص من الغاز
تتجلى الأزمة بشكل أوضح في حوض Permian Basin، أكبر مناطق إنتاج النفط الصخري، حيث هبطت الأسعار الفورية في مركز Waha Hub إلى ما دون الصفر في معظم أيام العام الجاري.
ويعني ذلك أن بعض المنتجين يضطرون لدفع أموال للتخلص من الغاز المصاحب لإنتاج النفط، بسبب عدم وجود سعة كافية لنقله، في ظاهرة تعكس اختلالًا هيكليًا في السوق الأمريكية.
بلغ إنتاج الولايات المتحدة من الغاز مستوى قياسيًا عند 107.7 مليار قدم مكعب يوميًا خلال عام 2025، مع توقعات بمزيد من الارتفاع مدفوعًا بزيادة الطلب من مراكز البيانات كثيفة استهلاك الطاقة، إلى جانب التوسع المرتقب في محطات تصدير الغاز المسال.
كما يسهم ارتفاع إنتاج النفط في زيادة إنتاج الغاز المصاحب، خاصة مع نضوب بعض الاحتياطيات النفطية، ما يضيف مزيدًا من المعروض في سوق تعاني بالفعل من اختناقات لوجستية.
وتشير تقديرات محللين في Bank of America إلى أن الانفراجة الحقيقية في قدرات النقل لن تتحقق قبل أواخر 2026 أو مطلع 2027، مع دخول مشاريع خطوط أنابيب جديدة حيز التشغيل.
مفارقة الأسعار
وعلى عكس سوق الغاز، لم تشهد أسواق النفط نفس الانقسام الحاد، حيث ارتفع خام Brent Crude إلى نحو 111 دولارًا للبرميل، بينما بلغ الخام الأمريكي حوالي 104 دولارات، مع زيادات تتجاوز 50% لكليهما منذ اندلاع الحرب.
في ظل هذه الفوضى السعرية، برزت شركات الغاز الطبيعي المسال القادرة على توفير شحنات فورية كأكبر المستفيدين، مثل Venture Global LNG وCheniere Energy، حيث سارعت الدول لتعويض الإمدادات القطرية المفقودة عبر شراء شحنات أمريكية.
في المقابل، يعاني منتجو الغاز داخل الولايات المتحدة من ضعف الأسعار المحلية، ما دفع شركات مثل EQT Corporation إلى خفض الإنتاج مؤقتًا، في محاولة لامتصاص الفائض وانتظار تحسن الأسعار.
ورغم وفرة الغاز، لا تزال بعض المناطق الأمريكية مثل نيو إنجلاند عرضة للأسعار العالمية المرتفعة، بسبب ضعف ارتباطها بشبكة الأنابيب الوطنية، ما يجبرها على استيراد الغاز المسال أو استخدام النفط لتوليد الكهرباء خلال الشتاء.
من المتوقع أن تتضاعف قدرة الولايات المتحدة على تصدير الغاز الطبيعي المسال تقريبًا، لترتفع من نحو 18 مليار قدم مكعب يوميًا في 2025 إلى 35 مليارًا بحلول 2030، ما قد يخفف تدريجيًا من حدة الاختلال بين العرض المحلي والطلب العالمي.
لكن حتى ذلك الحين، سيظل السوق العالمي للغاز منقسمًا بوضوح بين مناطق تعاني من نقص حاد وارتفاع قياسي في الأسعار، وأخرى، مثل الولايات المتحدة، تواجه فائضًا كبيرًا بلا منفذ فعّال إلى الأسواق الدولية.