تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى العالمية اختبارًا متصاعدًا بين تسارع موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من جهة، وتزايد الضغوط على هوامش الربحية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة من جهة أخرى، في معادلة باتت تهدد استدامة النمو السريع الذي قاد أسواق الأسهم خلال العامين الماضيين.

ويأتي هذا التحول في وقت تضخ فيه شركات مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خصوصًا مراكز البيانات والرقائق، في إطار سباق عالمي للهيمنة على الجيل الجديد من التكنولوجيا، وفقا لرويترز.

وتشير تقديرات الأسواق إلى أن حجم الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز 600 مليار دولار خلال عام واحد، مع توسع سريع في بناء مراكز بيانات عملاقة تعتمد على استهلاك كثيف للطاقة الكهربائية.

هذا التوسع يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التطوير البرمجي إلى مرحلة “الصناعة الثقيلة الرقمية”، حيث أصبحت القدرة التنافسية مرتبطة بشكل مباشر بتوافر الطاقة والبنية التحتية وليس فقط الخوارزميات أو البرمجيات.

في المقابل، تواجه هذه الشركات ارتفاعًا متزايدًا في تكاليف الطاقة، نتيجة صدمات الإمدادات العالمية وتذبذب أسعار النفط والغاز والكهرباء، ما ينعكس مباشرة على تكلفة تشغيل مراكز البيانات.

وتشير تحليلات سوقية إلى أن الطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات قد يتجاوز القدرة الحالية للشبكات في بعض المناطق، ما يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار الطاقة ويهدد بتآكل هوامش الربح.

هذا الوضع يضع نموذج أعمال الذكاء الاصطناعي أمام معادلة دقيقة بين التوسع السريع من جهة، والقدرة على التحكم في التكاليف التشغيلية من جهة أخرى.

على عكس الموجات التكنولوجية السابقة التي اعتمدت على برمجيات منخفضة التكلفة التشغيلية، يتطلب الذكاء الاصطناعي الحديث قدرات حوسبة هائلة تعتمد على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء.

هذا التحول يجعل قطاع التكنولوجيا أكثر قربًا من القطاعات الصناعية الثقيلة، حيث تصبح الطاقة عنصرًا رئيسيًا في تحديد الربحية وليس مجرد تكلفة تشغيل هامشية.

وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الطاقة لم يعد عاملًا خارجيًا، بل أصبح متغيرًا داخليًا في معادلة أرباح شركات التكنولوجيا.

تتزامن هذه الضغوط مع استمرار التوترات الجيوسياسية في مناطق رئيسية مثل الشرق الأوسط، والتي تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، وبالتالي على تكلفة تشغيل البنية التحتية الرقمية.

أي اضطراب في إمدادات الطاقة ينعكس بسرعة على شركات التكنولوجيا، ليس فقط من خلال ارتفاع التكاليف، بل أيضًا عبر تأخير خطط التوسع في مراكز البيانات أو إعادة تقييم الاستثمارات المستقبلية.

تزايدت في الأسواق المالية المخاوف من اتساع الفجوة بين حجم الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي وبين العوائد الفعلية المتحققة على المدى القصير.

فبينما تُضخ مئات المليارات في بناء البنية التحتية، لا تزال مستويات الربحية المستقبلية غير محسومة بالكامل، خاصة في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية المرتبطة بالطاقة والرقائق وسلاسل الإمداد.

هذا الوضع يعيد طرح تساؤلات حول مدى استدامة موجة الصعود الحالية في أسهم التكنولوجيا.