عقدت لجنة التيسير التابعة للمنظمة البحرية الدولية دورتها الخمسين في مدينة لندن خلال خلال الأيام الأخيرة، حيث اعتمدت مجموعة من القرارات التنظيمية والإستراتيجية التي تمثل خطوة مهمة نحو التحول الرقمي الشامل للنظام البحري العالمي.
وكشف الدكتور مصطفى رشيد الخبير الاقتصادى البحري، أن القرارات الخاصة بالمنظمة البحرية العالمية، شملت اعتماد الإستراتيجية العالمية للتحول الرقمي البحري، وتعزيز تدابير الأمن السيبراني للنوافذ البحرية الموحدة، إلى جانب تحديث نظم إدارة بيانات الركاب وأفراد الطاقم، وتطوير منظومة التيسير والتجارة الإلكترونية في القطاع البحري.
وأضاف - في تصريحات لـ" المال" - أن هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة للدول العربية نظراً لموقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يربط بين أهم طرق التجارة العالمية، فضلاً عن امتلاكها لمجموعة من الموانئ الرئيسية التي تشكل عقدا محورية في سلاسل الإمداد الدولية، وفي مقدمتها ممر قناة السويس.
وأوضح " رشيد" أن هذه القرارات تأتي في السياق الجيو اقتصادي للتحول الرقمي في النقل البحري العالمي، حيث يأتي التحول الرقمي في القطاع البحري استجابة لعدة تحولات عالمية متزامنة، أبرزها تسارع رقمنة التجارة العالمية، حيث أصبحت البيانات الرقمية أحد أهم عناصر إدارة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، حيث تعتمد شركات الشحن الكبرى على نظم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة عمليات النقل.
ولفت الخبير البحري، أن التهديدات السيبرانية للبنية التحتية البحرية تزايد، حيث تعرضت عدة موانئ وشركات شحن عالمية خلال السنوات الماضية لهجمات سيبرانية أثرت على عمليات التشغيل والخدمات اللوجستية.
وأوضح "رشيد " أن المنظمات الدولية تعمل على وضع معايير موحدة للرقمنة البحرية بهدف تسهيل حركة التجارة العالمية وتقليل البيروقراطية، بالإضافة إلى أن القرارات تأتي في ضوء التحول نحو الموانئ الذكية، حيث أصبحت الموانئ الحديثة تعتمد على إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتشغيل الآلي، وهو ما يتطلب تطوير بنية رقمية متكاملة.
ثانيا : الإستراتيجية العالمية للتحول الرقمي البحري
كما اعتمدت لجنة التيسير إستراتيجية جديدة تهدف إلى إحداث تحول نوعي في إدارة العمليات البحرية على المستوى الدولي، حيث أوضح " رشيد" إلى أن أهم محاور الإستراتيجية تتركز في توحيد المعايير الرقمية العالمية للقطاع البحري، بما يضمن توافق الأنظمة الرقمية المستخدمة بين السفن والموانئ والإدارات البحرية، وكذا تعزيز قابلية التشغيل البيني للأنظمة البحرية، حيث تسمح الأنظمة الرقمية المتكاملة بتبادل البيانات بين مختلف الجهات المعنية.
ولفت إلى أن القرارات تستهدف إدارة البيانات البحرية بشكل أكثر كفاءة، وذلك من خلال إنشاء منظومة متكاملة لإدارة البيانات البحرية العالمية.
كما تستهدف قرارات المنظمة البحرية العالمية، إلى تحسين السلامة البحرية، وذلك باستخدام البيانات الرقمية لتحسين إدارة حركة السفن وتقليل المخاطر، بالاضافة إلى دعم الاستدامة البيئية عبر استخدام البيانات لتحسين كفاءة استهلاك الوقود وتقليل الانبعاثات.
وأشار " رشيد" إلى أنه من أبرز القرارات التي اعتمدتها اللجنة إدخال تعديلات على ملحق اتفاقية تيسير حركة الملاحة البحرية الدولية لعام 1965 لإلزام الحكومات بتطبيق تدابير إلزامية للأمن السيبراني لحماية ما يعرف بـ " النوافذ البحرية الموحدة (Maritime Single Window) ، وهي منصات رقمية تقوم بتجميع وتبادل البيانات بين السفن والسلطات الحكومية المختلفة في الموانئ.
وتابع أن أهمية هذه الأنظمة تسهم في تقليل الإجراءات الورقية، وتسريع دخول السفن إلى الموانئ، وتحسين التنسيق بين الجهات الحكومية، إلا أن الاعتماد المتزايد عليها يفرض ضرورة تعزيز الحماية السيبرانية لهذه الأنظمة، موضحا أنه من المتوقع أن تدخل هذه التعديلات حيز التنفيذ في 1 يناير 2029، وفقا لقرارات المنظمة العالمية.
وذهبت قرارات المنظمة البحرية العالمية إلى تطوير نظم إدارة بيانات الركاب والطاقم، حيث وافقت اللجنة على تطبيق نظامين رئيسيين لإدارة بيانات الركاب وأفراد الطاقم، ومنها نظام معلومات الركاب والطاقم المسبق (API) ، حيث يسمح بإرسال بيانات الركاب وأفراد الطاقم قبل وصول السفينة إلى الميناء.
كما يشمل نظام معلومات الحجز (BRI) ، والذي يساعد في إدارة بيانات الحجز بشكل أكثر دقة وكفاءة.
وذكر " رشيد " أن الأهداف الإستراتيجية لهذه الأنظمة، تتضمن تعزيز أمن الحدود البحرية، وتسهيل إجراءات الهجرة والجوازات، وتحسين كفاءة العمليات في الموانئ، ودعم التعاون بين الجهات الأمنية والسلطات البحرية.
وأشار " رشيد" إلى أن مخرجات الدورة الخمسين تعكس عددا من التحولات المهمة في النظام البحري الدولي، أبرزها، الانتقال إلى نموذج "الحوكمة الرقمية للنقل البحري"، حيث أصبحت البيانات الرقمية أحد العناصر الأساسية لإدارة العمليات البحرية، بالإضافة إلى تعزيز الأمن السيبراني للبنية التحتية البحرية، وهو ما يعكس إدراكاً متزايدا لمخاطر الهجمات الإلكترونية على الموانئ.
كما تعكس هذه القرارات توحيد المعايير الرقمية الدولية، بما يسهم في تقليل التباين التنظيمي بين الدول، و دمج الأمن البحري والأمن الحدودي ضمن منظومة رقمية متكاملة.
وبالنسبة لتأثيرات الإستراتيجية على الموانئ المصرية، أوضح “رشيد”، إلى أن مصر تمتلك مجموعة من أهم الموانئ في منطقة البحر الأحمر والبحر المتوسط، وبالتالي فإن الفرص التي تتيحها الإستراتيجية الجديدة يمكن أن تتمثل في تحويل الموانئ المصرية إلى موانئ ذكية، من خلال تطبيق النوافذ البحرية الموحدة وتطوير البنية الرقمية، وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي للنقل واللوجستيات.
وأوضح " رشيد" إلى أنه بفضل موقع مصر الجغرافي المتميز، يمكن تحسين كفاءة الإجراءات الجمركية واللوجستية عبر تبادل البيانات الرقمية، وجذب الاستثمارات في مجال التكنولوجيا البحرية.
وأوضح أن هناك تحديات محتملة لهذه المنظومة تتمثل في الحاجة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية للموانئ، وتعزيز الأمن السيبراني للأنظمة البحرية، وتدريب الكوادر البشرية على إدارة الأنظمة الرقمية المتقدمة.
أما بالنسبة للتأثيرات الإستراتيجية على قناة السويس، فأوضح “رشيد”، أنه يمر عبر قناة السويس ما يقرب من 12% من التجارة العالمية ، وهو ما يجعلها أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وبالتالي هناك تأثيرات متوقعة منها تطوير منظومة إدارة حركة السفن، باستخدام البيانات الرقمية وأنظمة التحليل المتقدمة.
كما يمكن أن تساهم القرارات في تعزيز أمن المعلومات البحرية لحماية نظم الملاحة الرقمية في القناة، وتحسين الخدمات اللوجستية المرتبطة بالقناة، مثل خدمات الموانئ والإمداد البحري، ودعم التحول نحو "القناة الذكية" ، من خلال دمج الأنظمة الرقمية في إدارة الملاحة.
وكشف الخبير البحري عن توصيات مقترحة لمجلس وزراء النقل العرب فى اطار منظومة جامعة الدول العربية ، ليتم إعداد إستراتيجية عربية للتحول الرقمي البحري بما يتوافق مع سياسات المنظمة البحرية الدولية، وإنشاء شبكة عربية للنوافذ البحرية الموحدة، لتبادل البيانات بين الموانئ العربية، وتطوير إطار عربي للأمن السيبراني البحري، لحماية البنية التحتية الرقمية للموانئ.
واقترح إنشاء مركز عربي للبيانات البحرية لدعم تحليل البيانات الخاصة بحركة التجارة البحرية، وكذا إمكانية تعزيز التعاون بين الموانئ العربية، لتحسين التكامل اللوجستي في المنطقة العربية .
يشار إلى أن نتائج الدورة الخمسين للجنة التيسير التابعة للمنظمة البحرية الدولية وفقا لمصطفى رشيد الخبير البحري، تمثل نقطة تحول مهمة في مسار التحول الرقمي للنقل البحري العالمي ، حيث تم وضع إطار تنظيمي جديد يهدف إلى تعزيز كفاءة العمليات البحرية وتحسين الأمن السيبراني للبنية التحتية البحرية.
