حكومات تفرض قيودا على التنقل وترشد استهلاك الوقود للتكيف مع إغلاق مضيق هرمز

الاقتصادات الناشئة في قلب الأزمة

مضيق هرمز

دخلت أزمة الطاقة العالمية مرحلة أكثر حدة، مع شروع حكومات في آسيا وأوروبا وأفريقيا في فرض قيود مباشرة على استهلاك الوقود والتنقل، في محاولة لاحتواء تداعيات نقص الإمدادات النفطية الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في تعطّل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

وتأتي هذه الإجراءات في ظل اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، مما أدى إلى قفزة حادة في الأسعار.

وارتفع خام برنت بنحو 60% خلال شهر مارس ليقترب من 115 دولارًا للبرميل، في واحدة من أسرع موجات الصعود منذ عقود، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود والديزل عالميًا، ورفع تكاليف النقل والإنتاج بشكل واسع.

حكومات تتحرك

في مواجهة هذه الصدمة، بدأت الحكومات في تطبيق إجراءات استثنائية للحد من استهلاك الوقود. ففي كوريا الجنوبية، تدرس السلطات توسيع قيود استخدام السيارات لتشمل شرائح أوسع من المواطنين، في خطوة تعيد إلى الأذهان سياسات إدارة الطلب خلال أزمات الطاقة التاريخية.

كما اتجهت دول أخرى إلى تشجيع العمل عن بُعد، وتقليل أيام العمل الفعلية، وفرض قيود على استخدام السيارات الخاصة، إلى جانب خفض استهلاك الطاقة في المؤسسات الحكومية، ضمن جهود شاملة لتقليل الضغط على الإمدادات المحدودة.

دعم المستهلكين

على صعيد السياسات المالية، لجأت بعض الحكومات إلى تخفيف الأعباء عن المستهلكين عبر خفض الضرائب على الوقود. ففي أستراليا، تم تقليص الرسوم المفروضة على البنزين، رغم أن البلاد تمتلك احتياطيات محدودة لا تغطي سوى نحو شهر واحد من الاستهلاك، مما يحد من قدرتها على مواجهة أزمة طويلة الأمد.

وفي المقابل، أعلنت دول مثل الفلبين حالة طوارئ في قطاع الطاقة، بينما تواجه إندونيسيا ضغوطًا متزايدة على الإمدادات، في ظل ارتفاع الطلب المحلي وتراجع المعروض.

الاقتصادات الناشئة في قلب الأزمة

وبرزت تداعيات الأزمة بشكل أكثر حدة في الأسواق الناشئة، حيث أدت القفزة في الأسعار إلى تضخم تكاليف النقل والسلع الأساسية. ففي نيجيريا، ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 65%، مما انعكس على أسعار الغذاء والخدمات، وزاد من الضغوط المعيشية.

كما اضطرت دول مثل إثيوبيا إلى اتخاذ إجراءات غير تقليدية، من بينها التحول إلى الاجتماعات الافتراضية وتقليل التنقل الحكومي، في محاولة لخفض استهلاك الوقود والحفاظ على الموارد المحدودة.

وتتجاوز تأثيرات الأزمة قطاع الطاقة لتطال الاقتصاد العالمي ككل، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، ورفع تكاليف الإنتاج، مما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

كما يضع هذا الوضع البنوك المركزية أمام تحدٍ معقد، إذ يتعين عليها الموازنة بين احتواء التضخم ودعم النشاط الاقتصادي في بيئة تتسم بارتفاع الأسعار وضعف الطلب.

وأعادت الأزمة تسليط الضوء على هشاشة منظومة الطاقة العالمية، خاصة الاعتماد الكبير على ممرات إستراتيجية مثل مضيق هرمز.

ويرى محللون أن استمرار الاضطرابات قد يدفع الدول إلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاحتياطيات الإستراتيجية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، إلى جانب إعادة تقييم سياسات الاستهلاك وكفاءة الطاقة.

وتعكس الإجراءات التي تتخذها الحكومات حول العالم انتقال أزمة الطاقة من مرحلة ارتفاع الأسعار إلى مرحلة إدارة الطلب والندرة الفعلية في الإمدادات، مع فرض قيود مباشرة على الاستهلاك والتنقل.

ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، تبدو الأسواق العالمية أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، تتسم بـارتفاع مستدام في أسعار الطاقة، وضغوط تضخمية واسعة، وإعادة تشكيل عميقة لسياسات الطاقة العالمية خلال الفترة المقبلة.