دخلت مفاوضات إصلاح منظمة التجارة العالمية يومها الأخير دون تحقيق تقدم يُذكر، في ظل استمرار الخلافات الحادة بين الولايات المتحدة والهند بشأن مستقبل الإعفاء الجمركي على التجارة الإلكترونية، وهو الملف الذي بات يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظمة على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
ويأتي هذا الجمود خلال الاجتماع الوزاري المنعقد في الكاميرون، في وقت تتزايد فيه الضغوط على النظام التجاري متعدد الأطراف نتيجة التوترات الجيوسياسية والاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وفقا لرويترز.
تتمحور الأزمة حول تمديد اتفاق قائم منذ عام 1998 يقضي بعدم فرض رسوم جمركية على المعاملات الرقمية مثل تحميل البرامج وبث المحتوى الإلكتروني.
وبينما تدفع الولايات المتحدة نحو إقرار دائم لهذا الإعفاء لضمان استقرار التجارة الرقمية، ترفض الهند ذلك، مفضّلة تمديدًا مؤقتًا لا يتجاوز عامين.
وتُطرح حلول وسط، من بينها تمديد متوسط الأجل يتراوح بين خمس إلى عشر سنوات، إلا أن الهوة لا تزال قائمة بين الطرفين، ما يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق نهائي.
انقسام بين الدول المتقدمة والنامية
يعكس هذا الخلاف انقسامًا أوسع داخل المنظمة بين الاقتصادات المتقدمة والدول النامية. فبينما ترى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول صناعية أخرى أن استمرار الإعفاء ضروري لحماية تدفقات التجارة الرقمية وتعزيز الابتكار، تحذر دول مثل الهند من خسائر مالية كبيرة نتيجة حرمانها من فرض رسوم على الاقتصاد الرقمي.
وتشير تقديرات إلى أن الدول النامية قد تخسر نحو 10 مليارات دولار سنويًا من الإيرادات الجمركية المحتملة بسبب هذا الإعفاء، ما يعزز موقفها الرافض لجعله دائمًا.
لا يقتصر التعثر على ملف التجارة الإلكترونية، إذ تواجه جهود إصلاح المنظمة نفسها عراقيل مماثلة، تشمل تحسين الشفافية في دعم الصناعات، وتبسيط آليات اتخاذ القرار، وإعادة النظر في مبدأ “الدولة الأكثر رعاية”.
كما تعارض الهند إدماج الاتفاقات متعددة الأطراف – مثل تسهيل الاستثمار – ضمن الإطار الرسمي للمنظمة، معتبرة أن ذلك قد يقوض مبدأ الإجماع الذي تقوم عليه.
اختبار مصيري لمصداقية النظام التجاري العالمي
يرى مراقبون أن فشل التوصل إلى اتفاق بشأن الإعفاء الرقمي قد يؤدي إلى فرض رسوم جمركية على الخدمات الرقمية لأول مرة، وهو ما قد يرفع التكاليف ويزيد من تجزئة الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي ظل هذه التحديات، يُنظر إلى نتائج الاجتماع الحالي باعتبارها لحظة مفصلية في مسار منظمة التجارة العالمية، حيث سيحدد نجاح أو فشل المفاوضات مدى قدرة المنظمة على الحفاظ على دورها كحارس للنظام التجاري الدولي في عصر الاقتصاد الرقمي.