تفرض التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الممرات البحرية الحيوية ضغوطًا متزايدة على سوق التأمين البحري عالميًا، مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة وتزايد القيود على تغطيات أخطار الحروب في عدد من المناطق الاستراتيجية.
واوضح الدكتور جمال شحاتة، رئيس لجنة التعليم بالمعهد المصري للتأمين وعميد كلية التجارة بجامعة القاهرة السابق وأستاذ الاستراتيجيات الدولية والتطوير البشري، إن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في مطلع عام 2026 أدى إلى تحول منطقة الشرق الأوسط من ممر شحن عالي المخاطر إلى منطقة شبه غير قابلة للتأمين بالنسبة لعدد كبير من مشغلي النقل البحري، في ظل إغلاق مضيق هرمز وتجدد الاضطرابات في البحر الأحمر، وهو ما فرض إعادة هيكلة جذرية في سوق التأمين البحري عالميًا.
وأوضح أن الشركات العاملة في الشرق الأوسط ومصر تواجه مزيجًا معقدًا من التحديات يتمثل في الارتفاع الحاد في أقساط التأمين، وإلغاء عدد من التغطيات التأمينية التقليدية، إلى جانب تحول جذري في آليات تسعير المخاطر المرتبطة بالنقل البحري.
وأشار إلى أن سوق التأمين البحري شهد في أوائل مارس 2026 موجة واسعة من إشعارات إلغاء التغطيات، حيث قامت نوادي الحماية والتعويض (P&I Clubs) ونقابات Lloyd’s of London بإلغاء تغطية مخاطر الحرب القياسية في مناطق الخليج العربي وخليج عمان والبحر الأحمر.
ولفت إلى أن شركات التأمين تحولت من تقديم وثائق سنوية تقليدية إلى تغطيات محدودة لكل رحلة على حدة عبر آلية إعادة شراء التغطية، ما أدى إلى قفزات كبيرة في الأسعار.
وأضاف أن معدلات التأمين التي كانت لا تتجاوز 0.05% من قيمة السفينة ارتفعت إلى ما بين 1% و3%، موضحًا أن تكلفة التأمين على ناقلة نفط عملاقة تبلغ قيمتها نحو 120 مليون دولار قد تتجاوز 1.2 مليون دولار لرحلة واحدة عبر مناطق الصراع.
وأكد أن شركات التأمين وإعادة التأمين في الشرق الأوسط، خاصة في الإمارات والسعودية وقطر، تواجه أزمة مزدوجة تتعلق بارتفاع مخاطر التراكم واستنزاف الطاقة الاستيعابية للسوق.
وبيّن أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تكدس مئات الناقلات في مناطق انتظار قرب الفجيرة ومسقط، ما يخلق سيناريو تراكم كارثي، حيث يمكن لضربة صاروخية واحدة أو هجوم بطائرة مسيرة أن يلحق أضرارًا بعدد كبير من الأصول المؤمَّن عليها في وقت واحد بما يتجاوز القدرة الرأسمالية لبعض الشركات.
وأوضح أن غالبية شركات التأمين في المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على إعادة التأمين لدى الشركات العالمية في لندن وأوروبا لتمرير المخاطر البحرية مرتفعة القيمة، إلا أن تراجع هذه الشركات العالمية عن تقديم التغطيات أو مضاعفة أسعارها عدة مرات يضع الشركات المحلية أمام خيارين صعبين؛ إما رفع الأسعار إلى مستويات غير تنافسية أو التوقف عن تغطية عمليات النقل الإقليمي.
وأشار إلى أن مصر تواجه تحديًا اقتصاديًا بالغ الحساسية في ظل هذه التطورات، نظرًا لاعتمادها على قناة السويس كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية.
ولفت إلى أن إيرادات القناة شهدت تراجعًا حادًا مع قيام عدد من شركات الشحن العالمية الكبرى مثل Maersk وHapag-Lloyd بتحويل مسارات السفن بين آسيا وأوروبا إلى طريق رأس الرجاء الصالح لتجنب المخاطر المرتفعة في البحر الأحمر.
وأضاف أن البحر الأحمر أصبح يُصنف حاليًا ضمن مناطق المخاطر القصوى، وهو ما أدى إلى ما يمكن وصفه بضريبة المضيق المزدوج، حيث أصبحت تكلفة التأمين على مخاطر الحرب في بعض الحالات أعلى من الوفورات التي تحققها السفن عند استخدام المسار الأقصر عبر قناة السويس، الأمر الذي يجعل القناة مغلقة اقتصاديًا رغم بقائها مفتوحة من الناحية التشغيلية.
وأوضح أن شركات التأمين المصرية التي تغطي التجارة الساحلية وحركة الشحن في البحر المتوسط بدأت تواجه موجة تضخم تأميني ممتد، حيث ارتفعت الأسعار حتى في المناطق غير المتأثرة مباشرة بالصراع نتيجة حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي في شرق المتوسط.
وأشار إلى أن انسحاب جزء من السوق الخاص من تقديم التغطيات دفع بعض الحكومات إلى التفكير في التدخل كـ«مؤمِّن أخير» لضمان استمرار تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، حيث طُرحت مقترحات في الولايات المتحدة وبعض دول الخليج لإطلاق برامج تأمين مدعومة حكوميًا لتغطية مخاطر الحرب في الممرات البحرية الحيوية.
ولفت إلى أن تكلفة التأمين المرتفعة تحولت فعليًا إلى ما يشبه ضريبة خفية تضاف إلى أسعار النفط العالمية حتى دون حدوث نقص فعلي في الإنتاج، موضحًا أن ارتفاع تكلفة التأمين إلى ما بين 1% و3% من قيمة الناقلة يضيف ما يتراوح بين دولارين وأربعة دولارات إلى سعر البرميل الذي يمر عبر المضائق المشتعلة.
وأضاف أن تحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 و15 يومًا إلى زمن الرحلة البحرية، ما يرفع تكاليف الوقود والتشغيل بأكثر من 40%، وهو ما يدعم بقاء أسعار النفط العالمية عند مستويات مرتفعة قد تتجاوز 100 دولار للبرميل.
وأكد أن التأثير على الاقتصاد المصري مزدوج ومباشر، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة التأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ المصرية إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، خاصة السلع الغذائية والمواد الخام التي تعتمد مصر في جزء كبير منها على الاستيراد عبر النقل البحري.
وأشار كذلك إلى أن تراجع إيرادات قناة السويس يقلل من تدفقات العملة الأجنبية، وهو ما يضغط على سعر صرف الجنيه المصري ويزيد من معدلات التضخم، إضافة إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتكاليف التأمين على الشحنات المتجهة إلى المصافي المحلية قد يدفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود لتخفيف عبء الدعم، وهو ما ينعكس بدوره على تكاليف النقل والإنتاج الزراعي داخل السوق المحلية.