يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تحولًا تدريجيًا من التركيز على تطوير التطبيقات إلى الاستثمار في البنية التحتية الداعمة للتقنية، وهو ما يفتح آفاقًا استثمارية واسعة تمتد عبر قطاعات صناعية متعددة ومناطق جغرافية مختلفة.
ووفقا لتقرير نشره موقع moneymag، فإن المقارنة بين شركتي آبل وسامسونج تقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول، فخلال الاثني عشر شهرًا الماضية، سجل سهم آبل عائدًا يقارب 10%، في حين ارتفعت أسهم سامسونج بأكثر من 200%.
وقد يبدو هذا التباين غير منطقي للعديد من المستثمرين الأفراد، خاصة أن آبل تمتلك منظومة تقنية متكاملة وعلامة تجارية عالمة، بينما يُنظر إلى سامسونج غالبًا على أنها شركة تصنيع للهواتف الذكية والإلكترونيات الاستهلاكية.
غير أن هذه المقارنة البسيطة توفر منظورًا مهمًا لفهم كيفية تطور اقتصاد الذكاء الاصطناعي، والوجهة التي قد تتجه إليها رؤوس الأموال خلال المرحلة المقبلة.
في المرحلة الأولى من موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، تركزت معظم الفرص داخل الولايات المتحدة، حيث تصدرت المشهد شركات تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مدفوعة بالطلب المتزايد على قدرات تدريب النماذج والاستدلال.
وفي الوقت نفسه، لعبت شركات رئيسية في سلاسل التوريد العالمية مثل TSMC وASML وسامسونج دورًا محوريًا في توفير البنية المادية اللازمة لبناء هذه الأنظمة، وكان هذا التوجه منطقيًا في المراحل المبكرة من دورة التكنولوجيا، حيث ركز المستثمرون على الشركات التي توفر القدرات الحوسبية المتخصصة والمنصات التقنية الأساسية.
غير أن الذكاء الاصطناعي تجاوز تدريجيًا هذه المرحلة، ويعكس أداء الأسواق العالمية في عام 2026 هذا التحول، فعملية خلق القيمة اليوم لم تعد محصورة في الولايات المتحدة، بل أصبحت موزعة بين آسيا وأمريكا الشمالية، مع بروز شركات مثل سامسونج كلاعب أساسي في مكونات حيوية مثل ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM) وتقنيات التغليف المتقدم للرقائق.
وفي هذا السياق، تتجه رؤوس الأموال بشكل متزايد إلى أسواق مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايوان والصين والهند، حيث يبحث المستثمرون عن الشركات التي ستقود المرحلة التالية من توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ومن بين الشركات البارزة في هذا المجال إس كيه هاينكس وشركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC).
لا يرتبط ما يُشار إليه أحيانًا بـ"نهاية عصر البرمجيات كخدمة (SaaS)" باستبدال الذكاء الاصطناعي لوظائف البرمجيات فحسب، بل يعكس أيضًا إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بآفاق النمو طويلة الأجل. فقد أدى ارتفاع العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة، إلى جانب إعادة تقييم العوائد في اليابان، إلى رفع معدلات العائد المطلوبة من المستثمرين.
وتُعد شركات البرمجيات كخدمة أكثر عرضة لتأثير هذه التحولات، نظرًا لأن تقييماتها غالبًا ما تستند إلى تدفقات نقدية مستقبلية طويلة الأجل وافتراضات نمو مرتفعة، وهو ما يجعلها حساسة لارتفاع معدلات الخصم.
في المقابل، تعتمد شركات الأجهزة والبنية التحتية التقنية على نماذج أعمال تحقق تدفقات نقدية أقرب زمنياً، مدعومة باستثمارات ملموسة في القدرات الإنتاجية. ومن هذا المنظور، تبدو ريادة سامسونج في مجالات مثل الذاكرة المتقدمة والتغليف الإلكتروني أقرب إلى عائدات تشغيلية فورية مدعومة بأصول صناعية قوية مقارنة بنماذج التقييم طويلة الأجل لشركات البرمجيات.
وحتى وقت قريب، كان محور الاهتمام في سوق الذكاء الاصطناعي منصبًا بشكل شبه كامل على قدرات الحوسبة، حيث استحوذت الشركات المصممة لوحدات معالجة الرسومات (GPU) والمنصات الحوسبية المتقدمة على الجزء الأكبر من الاستثمارات.
أما اليوم، فتقود المرحلة الثانية من تطور القطاع قيود بنيوية جديدة تفتح مجالات استثمارية إضافية، فالسوق يواجه حاليًا نقصًا في إمدادات الذاكرة، وارتفاعًا حادًا في الطلب على التخزين، وزيادة غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات وهي متطلبات لم تُصمم شبكات الطاقة الحالية لاستيعابها بالكامل.
المرحلة الثانية من الذكاء الاصطناعي: من الحوسبة إلى بنية تحتية متكاملة
لم تعد التحديات الحالية في الذكاء الاصطناعي مجرد نقاط ضعف معزولة، بل تمثل مؤشرات واضحة على انتقال القطاع من التركيز على القدرات الحوسبية إلى بناء بنية تحتية متكاملة تشمل أشباه الموصلات والمرافق المادية الداعمة لها.
يعكس التراجع الأخير في أداء آبل مزيجًا من العوامل، بدءًا من إعادة تسعير الأصول طويلة الأجل وتأثيرها على توقعات النمو، وصولًا إلى إعادة تقييم السوق لمصادر الربحية الإضافية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. ورغم استمرار آبل، فقد تحول مركز ثقل الربحية في الذكاء الاصطناعي نحو المكونات والقدرات الأساسية التي تجعل الانتشار واسع النطاق للتقنية ممكنًا.
من جانبها، تتمتع سامسونج بموقع استراتيجي حيوي بفضل ريادتها في مجالات الذاكرة والتغليف المتقدم للرقائق، حيث تُترجم قيود اليوم إلى إيرادات فورية وقوة تسعيرية على المدى القريب.
باختصار، يشهد الذكاء الاصطناعي مرحلة اتساع عالمي وتحول من الحوسبة إلى البنية التحتية، حيث تتمحور المرحلة المقبلة حول حل القيود الرقمية (أشباه الموصلات) والمادية (مراكز البيانات والطاقة). ويُعد نقص الذاكرة مؤشرًا مبكرًا على تحول رأس المال من مصممي الرقائق إلى مشغلي الأنظمة، مع توسيع نطاق الفرص الاستثمارية ليشمل سلسلة قيمة أشباه الموصلات والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة.
في هذا السياق، لا تمثل المنافسة بين آبل وسامسونج مجرد صراع على الشعبية أو العلامة التجارية، بل تشكّل خريطة واضحة لمواضع تراكم القيمة في قطاع الذكاء الاصطناعي اليوم وأين يُحتمل أن تتضاعف مستقبلاً.