أمريكا والصين وسباق الذكاء الاصطناعي.. استراتيجيتان مختلفتان لرسم مستقبل التقنية

تعمل الشركات الصينية على تحسين كفاءة النماذج عبر تقنيات التكميم

تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي

تُظهر الولايات المتحدة اهتمامًا متزايدًا بما يُعرف بـ"سباق الذكاء الاصطناعي العام" (AGI)، إذ تستثمر شركات التكنولوجيا الأمريكية مبالغ هائلة في إنشاء بنية تحتية حاسوبية متقدمة. وتضخ هذه الشركات مئات المليارات من الدولارات في بناء مراكز بيانات ضخمة بهدف تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على مضاهاة الأداء البشري أو تجاوزه في معظم المهام الإدراكية.

وفي هذا السياق، أعلنت كبرى شركات الحوسبة السحابية الأمريكية الأربع، ألفابت، وأمازون، وميتا، ومايكروسوفت، عن خطط إنفاق مشتركة تصل إلى نحو 650 مليار دولار على تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري، في حين تشير التقديرات إلى أن إجمالي الإنفاق الأمريكي على البنية التحتية للحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يتجاوز 2.8 تريليون دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، تتبنى شركات الذكاء الاصطناعي الصينية مقاربة مختلفة نسبيًا. فبينما تسعى بدورها إلى تطوير نماذج أساسية ذات مستوى عالمي، فإن مفهوم "الذكاء الاصطناعي العام" بوصفه نقطة تحول مفصلية في تاريخ البشرية لا يحظى بالزخم ذاته في الخطاب الصيني، باستثناء بعض الأصوات البارزة مثل ليانغ وينفنغ، مؤسس شركة DeepSeek، وإيدي وو، الرئيس التنفيذي لشركة Alibaba. وبدلًا من التركيز على هذا الهدف المجرد، يوجّه مطورو الذكاء الاصطناعي في الصين جهودهم نحو مسارات أخرى للتقدم، أبرزها تعزيز الكفاءة، وتسريع وتيرة التبني، وتوسيع التكامل مع الأنظمة المادية، وهي توجهات تعكس إلى حد كبير ضغوط السوق المحلية وأولويات السياسات الصناعية في بكين. وبذلك يمثل النهج الصيني رهانًا مختلفًا جذريًا بشأن الكيفية التي سيعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل المستقبل.

وتبرز مسألة الكفاءة كأحد المحاور الأساسية في الإستراتيجية الصينية. ففي الوقت الذي تبني فيه شركات التكنولوجيا الأمريكية بنى حوسبية هائلة تضم مئات الآلاف من الرقائق المتقدمة، تركز مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية بشكل مكثف على تحسين الاستفادة من الموارد الحاسوبية والذاكرة المحدودة. وقد أسهمت الابتكارات في تصميم الخوارزميات، مثل نماذج "مزيج الخبراء" وآليات الانتباه الفعّالة، في تمكين شركات صينية مثل MiniMax وMoonshot من تطوير نماذج متقدمة عالميًا مع خفض كبير في تكاليف الحوسبة. 

على سبيل المثال، يعتمد نموذج DeepSeek V3.2 على آلية انتباه متفرقة مبتكرة تتيح له تحقيق أداء يقارب أداء نماذج متقدمة مثل GPT-5 من OpenAI وGemini 3 من Google في مهام الاستدلال المعقدة والتطبيقات القائمة على الوكلاء، رغم اعتماده على موارد حوسبية أقل بكثير على الأرجح.

كما تعمل الشركات الصينية على تحسين كفاءة النماذج عبر تقنيات التكميم (Quantization)، والتكميم هو تقنية هندسية تُستخدم في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة لتقليل حجم الأرقام التي يستخدمها النموذج أثناء الحسابات، بهدف جعل النماذج أسرع وأقل استهلاكًا للذاكرة والطاقة، مع الحفاظ قدر الإمكان على نفس مستوى الأداء، وباتالي بدل أن يستخدم نموذج الذكاء الاصطناعي أرقامًا دقيقة جدًا (تستهلك ذاكرة كبيرة)، يتم تقريب هذه الأرقام إلى تمثيلات رقمية أبسط.

وتُعد شركة Alibaba من الرواد في هذا المجال من خلال سلسلة نماذج Qwen، التي نجحت في تقليل استهلاك ذاكرة وحدات معالجة الرسومات إلى النصف تقريبًا دون التأثير الملحوظ على الأداء. كذلك طورت شركة Moonshot AI أسلوبًا لتطبيق التكميم أثناء مرحلة تدريب النموذج نفسها، ما أتاح إنشاء نموذج استدلال عالي الكفاءة. ولا يقتصر أثر هذه التقنيات على خفض التكاليف وزيادة الكفاءة فحسب، بل يفتح أيضًا المجال أمام نشر النماذج خارج مراكز البيانات الضخمة، وربما حتى على الأجهزة الشخصية.

ومع ذلك، تشير بعض التقديرات إلى أن جزءًا من أداء نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية قد يعود إلى استخدام تقنية "التقطير" (Distillation)، وهي هو تقنية في تعلم الآلة تُستخدم لنقل المعرفة من نموذج كبير وقوي إلى نموذج أصغر وأخف، بحيث يحقق النموذج الصغير أداءً قريبًا من النموذج الكبير، لكن بتكلفة حوسبية أقل.

وقد أفادت شركة Anthropic برصد ما وصفته بـ"هجمات تقطير" واسعة النطاق من قبل ثلاثة مختبرات ذكاء اصطناعي صينية، من بينها DeepSeek، كما أشارت كل من OpenAI وGoogle DeepMind إلى حوادث مشابهة. وقد يفسر هذا جزئيًا قدرة بعض المختبرات الصينية على تحقيق أداء يقارب أداء المختبرات الأمريكية الرائدة رغم امتلاكها موارد حوسبية أقل. 

ومع ذلك، من المرجح أن يكون هذا العامل جزءًا فقط من الصورة، نظرًا لوجود حدود تقنية لعملية التقطير، فضلًا عن أن العديد من المختبرات الصينية تنشر تقارير فنية توثق ابتكارات حقيقية يعترف بها باحثون بارزون في مجال الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

وعلى صعيد الانتشار العالمي، تحقق شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تقدمًا ملحوظًا، خاصة من خلال تبني نهج المصادر المفتوحة. فمعظم النماذج الرائدة في الصين تُطرح كمشاريع مفتوحة المصدر، ما يسمح للمطورين بتحميلها وتعديلها ونشرها بحرية عبر منصات مختلفة. في المقابل، تميل النماذج الأمريكية المتقدمة إلى أن تكون مملوكة ومغلقة المصدر، ويتطلب الوصول إليها اشتراكات مدفوعة أو استخدام واجهات برمجة التطبيقات المدفوعة. ويهدف النهج الصيني إلى تسريع تبني هذه التقنيات عبر توفير النماذج مجانًا، وبناء منظومة برمجية واسعة حولها، ثم تحقيق العوائد من خلال خدمات الدعم والتكامل.

وقد انعكس نجاح هذا التوجه بوضوح في مؤشرات الاستخدام العالمية، إذ تفوقت النماذج الصينية على نظيراتها الأمريكية من حيث إجمالي عدد التنزيلات على منصات مثل Hugging Face. كما تجاوزت عمليات تنزيل النماذج المشتقة من النماذج الصينية الأساسية تلك المشتقة من النماذج الأمريكية في وقت سابق من هذا العام. وفي الوقت نفسه، تراجعت الهيمنة السابقة لنماذج Llama التابعة لشركة Metaالتي كانت تُعد معيارًا صناعيًا للنماذج المفتوحة المصدر لصالح سلسلة Qwen التي تطورها Alibaba. وبالتوازي مع ذلك، يواصل مزودو خدمات الحوسبة السحابية الصينيون، مثل Huawei وAlibaba وTencent، توسيع نطاق خدمات الذكاء الاصطناعي التي يقدمونها عالميًا، مع تركيز خاص على الأسواق الناشئة.