أوضح تقرير حديث صادر عن أوكسفورد إيكونوميكس أن تكون البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة بصدد تغيير نهجها التقليدي في التعامل مع صدمات أسعار الطاقة، بعدما أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يترك آثارًا تضخمية أكثر استدامة مما كان يُعتقد سابقًا.
وأوضح التقرير أن السياسة النقدية في العقود الماضية كانت تميل إلى تجاهل صدمات الطاقة، إذ اعتادت البنوك المركزية عدم تعديل أسعار الفائدة استجابةً لارتفاعات مفاجئة في أسعار النفط أو الغاز، انطلاقًا من فرضية أن هذه الصدمات ترفع التضخم مؤقتًا فقط قبل أن يعود إلى مستوياته المستهدفة.
نهج تقليدي يقوم على تجاهل صدمات الطاقة
وأشار التقرير إلى أن هذا النهج استند إلى افتراضين رئيسيين؛ أولهما أن توقعات التضخم لدى الشركات والأسر تبقى مستقرة ولا تتأثر بارتفاع الأسعار المؤقت، وثانيهما أن ارتفاع أسعار الطاقة يضعف الدخل الحقيقي للأسر ويبطئ النشاط الاقتصادي، ما يؤدي إلى كبح الضغوط التضخمية لاحقًا.
وبناءً على هذه الفرضيات، كانت البنوك المركزية تفترض أن الزيادة في التضخم المدفوعة بالطاقة لن تؤدي إلى ما يُعرف بآثار «الجولة الثانية» مثل ارتفاع الأجور أو تغيير استراتيجيات التسعير لدى الشركات، وبالتالي يعود التضخم إلى مستواه المستهدف تلقائيًا بعد زوال الأثر المباشر لارتفاع الطاقة خلال نحو عام.
كما اعتبر صانعو السياسات النقدية أن رفع أسعار الفائدة لمواجهة تضخم الطاقة قد يكون غير ضروري، بل وربما يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع التضخم إلى الانخفاض دون المستوى المستهدف في المدى المتوسط عندما تظهر آثار التشديد النقدي.
تجربة السنوات الأخيرة غيّرت التقييم
لكن التقرير يشير إلى أن تجربة الأعوام القليلة الماضية أظهرت أن هذه الافتراضات لم تعد دقيقة كما كان يُعتقد، خصوصًا بعد موجة التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا وارتفاع أسعار الطاقة في عامي 2022 و2023.
فقد أدت تلك الصدمات إلى ارتفاع ملحوظ في توقعات التضخم على المديين القصير والطويل، ما انعكس في زيادات أكبر في الأجور وتغيرات في استراتيجيات التسعير لدى الشركات.
ووفقًا للتقرير، سعى العمال في العديد من الاقتصادات إلى تعويض خسائر القوة الشرائية الناتجة عن التضخم المرتفع، بينما اعتقدت الشركات أن ارتفاع توقعات التضخم يمنحها قدرة أكبر على تمرير زيادة التكاليف إلى الأسعار النهائية.
دور السياسات المالية في تخفيف أثر الصدمة
وأشار التقرير إلى أن استجابة الحكومات لعبت أيضًا دورًا مهمًا في تغيير النتائج الاقتصادية لصدمة الطاقة، إذ لجأت العديد من الدول إلى سياسات مالية توسعية لتخفيف الأثر السلبي لارتفاع الأسعار على دخول الأسر وأرباح الشركات.
وبسبب هذا الدعم المالي، لم يؤدِّ ارتفاع أسعار الطاقة إلى ضعف كبير في النشاط الاقتصادي كما كان متوقعًا، وهو ما حدّ من الضغوط الانكماشية التي كانت تُعوّل عليها البنوك المركزية سابقًا لاحتواء التضخم.