قالت الدكتورة أميرة محمود، باحثة الدكتوراه بمجال التأمين، إن التحدي الذي يواجه شركات التأمين لم يعد يتمثل في زيادة الإفصاحات أو إضافة مزيد من البنود داخل الوثائق، بقدر ما يتعلق بإعادة تصميم طريقة عرض المعلومات للعملاء بما يجعلها أكثر وضوحًا وسهولة في الفهم.
وأوضحت أن قطاع التأمين يحتاج للتحول من مفهوم «الشفافية الكاملة» إلى ما يمكن تسميته «الشفافية الذكية»، وهي التي تقوم على تنظيم المعلومات وتقديمها بشكل تدريجي ومبسط، بدلًا من إغراق العميل بكمٍّ كبير من التفاصيل دفعة واحدة.
وأضافت أن مِن بين الأدوات التي يمكن أن تدعم هذا التوجه الاعتماد على الإفصاح التدريجي من خلال عرض ملخص واضح لوثيقة التأمين أولًا، ثم إتاحة التفاصيل الكاملة عند الحاجة، إلى جانب تبسيط اللغة المستخدمة في الوثائق وتحويل المصطلحات الفنية والقانونية إلى صياغات سهلة الفهم.
كما أشارت إلى أن استخدام الجداول والرسوم التوضيحية يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين فهم العملاء، مقارنة بالنصوص الطويلة والمعقدة.
التبسيط يعزز التنافسية بسوق التأمين
وأكدت د. أميرة محمود أن الشركات التي تنجح في تبسيط وثائقها ومعلوماتها للعملاء تحقق مجموعة من المكاسب الإستراتيجية، من بينها تعزيز الثقة وتسريع قرارات الشراء وتقليل الشكاوى والنزاعات المرتبطة بسوء الفهم.
وأضافت أن تجربة العميل الواضحة أصبحت، اليوم، من أهم عوامل التنافس في سوق التأمين، خاصة في ظل زيادة الوعي التأميني لدى العملاء، وارتفاع مستوى المنافسة بين الشركات.
طبيعة خاصة للثقة في قطاع التأمين
وأشارت إلى أن الثقة في قطاع التأمين تختلف عن عدد من القطاعات الخِدمية الأخرى؛ لأن العميل لا يشتري خدمة فورية، بل يشتري وعدًا مستقبليًّا والتزامًا مشروطًا بعقد يحتوي على تفاصيل فنية متعددة.
وأوضحت أن العميل يتخذ قراره في هذه الحالة، في ظل درجة من عدم اليقين، ما يجعل الفهم والوضوح والقدرة على توقع النتائج عناصر أساسية في بناء الثقة بين العميل وشركة التأمين.
وأكدت أن الثقة المؤسسية لا ترتبط فحسب بكمية المعلومات التي يتم الإفصاح عنها، بل بدرجة إدراك العميل لمدى وضوح هذه المعلومات وقدرته على فهمها.
متى تتحول الشفافية إلى عبء على العميل؟
ولفتت د. أميرة محمود إلى أن الشفافية كانت تُعدّ لسنوات طويلة الحل التقليدي لمشكلة الثقة بقطاع التأمين، حيث اتجهت الشركات إلى زيادة الإفصاحات وإضافة المزيد من التفاصيل والبنود القانونية داخل الوثائق.
لكنها أوضحت أن هذا التوجه قد يؤدي، في بعض الأحيان، إلى نتائج عكسية، خاصة عندما يواجه العميل وثائق طويلة ومعقدة تتضمن استثناءات متعددة وجداول رسوم مزدحمة ولغة قانونية يصعب تفسيرها.
وأضافت أن النتيجة في كثير من الحالات تكون أن العميل لا يقرأ الوثيقة بالكامل، أو يقرؤها دون فهم كافٍ، أو يستوعب جزءًا منها فقط ويشعر بعدم اليقين تجاه بقية التفاصيل.
«إرهاق الشفافية».. المشكلة الصامتة
وأشارت الباحثة إلى أن هذه الحالة تُعرف بمفهوم «إرهاق الشفافية»، وهو يحدث عندما تتجاوز كمية المعلومات قدرة العميل على استيعابها أو عندما تزيد التفاصيل عن الحاجة الفعلية لاتخاذ القرار.
وأضافت أن أبحاث علم النفس الإدراكي تشير إلى أن ارتفاع الحمل المعرفي (Cognitive Load) يقلل جودة اتخاذ القرار، كما توضح دراسات تجربة المستخدم أن كثرة المعلومات غير المنظمة قد تؤدي إلى القلق أو التردد أو حتى الانسحاب من الشراء.
فجوة بين تصور الشركات وتجربة العملاء
وأكدت د. أميرة محمود أن هناك فجوة واضحة، في بعض الأحيان، بين ما تعتقده شركات التأمين وما يشعر به العميل.
فالشركة قد ترى أنها قدمت جميع المعلومات بشكل واضح ومكشوف، بينما يشعر العميل بأن المنتج أكثر تعقيدًا مما توقع، أو أن هناك تفاصيل لا يفهمها.
وأضافت أن المعلومات الزائدة قد تتحول في هذه الحالة إلى مصدر للشك، حيث يبدأ العميل التساؤل عما إذا كانت هناك مخاطر أو شروط غير واضحة داخل تلك التفاصيل الكثيرة.
الفهم أساس بناء الثقة
واختتمت الباحثة حديثها بتأكيد أن توفر المعلومات وحده لا يكفي لبناء الثقة، مشيرة إلى أن الثقة الحقيقية تنشأ عندما يفهم العميل ما يشتريه ويستطيع تقييم المخاطر المرتبطة به ويشعر بقدرته على اتخاذ قرار واعٍ.
وأوضحت أن العميل لا يحتاج إلى جميع التفاصيل دفعة واحدة، بل يحتاج إلى المعلومة المناسبة في الوقت المناسب وبطريقة مبسطة تُمكّنه من استيعابها بسهولة.
وأكدت أن تبسيط المعلومات لم يعد مجرد تحسين لتجربة العميل، بل أصبح ضرورة إستراتيجية لتعزيز الثقة وبناء علاقات طويلة الأمد بين شركات التأمين وعملائها.