شهدت السوق المحلية خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار الأسمدة، حيث زادت الأسعار بنحو 1000 جنيه للطن دفعة واحدة، في تحرك يعكس ضغوطًا متصاعدة على قطاع المدخلات الزراعية. وسجل سعر طن اليوريا العادي نحو 25 ألف جنيه، بينما بلغ سعر اليوريا المخصوص 27 ألف جنيه، في حين استقر سعر طن النترات عند 25 ألف جنيه، وسجل طن سلفات النشادر نحو 23 ألف جنيه.
وكشفت مصادر مطلعة لـ"المال " أنه كما بلغ سعر طن صادرات الأسمدة نحو 550 دولارا، ما يعكس استمرار الفجوة بين الأسعار المحلية واتجاهات التصدير.
وأضافت المصادر أنه يأتي هذا الارتفاع في ظل ظروف عالمية مضطربة، أبرزها صعود أسعار الغاز الطبيعي عالميًا، والذي يُعد المكون الرئيسي في صناعة الأسمدة النيتروجينية فالغاز يمثل ما يقرب من 60–70% من تكلفة إنتاج اليوريا والنترات، وأي زيادة في أسعاره تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج. وخلال الشهور الماضية، شهدت أسواق الطاقة العالمية موجات صعود متتالية نتيجة اضطرابات الإمدادات وزيادة الطلب، خاصة مع دخول فصل الشتاء في عدد من الدول الصناعية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
وتلعب الحرب في الشرق الأوسط بين إيران ومحور إسرائيل –أمريكا دورًا محوريًا في تعقيد المشهد، حيث أدت التوترات المتزايدة إلى مخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
وكشفت مصادر أنه ومع تصاعد الأحداث المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة، من جانب أخر وامتداد التوترات إلى مناطق أخرى، تأثرت حركة الملاحة في بعض الممرات الحيوية، ما أدى إلى زيادة تكلفة نقل المواد الخام والمنتجات النهائية، ومن بينها الأسمدة حيث قامت ايران بضرب مناطق انتاج الغاز في الخليج واسرئيل .
وأوضحت المصادر أنه وكما تأثرت سلاسل الإمداد العالمية بزيادة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما دفع بعض الشركات إلى إعادة حساباتها الإنتاجية والتصديرية، سواء من حيث كميات المعروض أو أسعار البيع ، وفي ظل ارتباط السوق المحلية بالسوق العالمية، سواء عبر مدخلات الإنتاج أو فرص التصدير، انعكست هذه التطورات سريعًا على الأسعار الداخلية.
ويرى متعاملون في السوق أن زيادة الألف جنيه الأخيرة جاءت نتيجة مباشرة لارتفاع تكلفة الإنتاج، وليس فقط بسبب عوامل العرض والطلب المحلية ،فالمصانع تواجه أعباء متزايدة، سواء في أسعار الطاقة أو في تكلفة النقل واللوجستيات، إلى جانب ارتفاع أسعار بعض مدخلات التشغيل الأخرى، كما أن توجه بعض الشركات إلى زيادة التصدير للاستفادة من الأسعار العالمية المرتفعة قد أسهم في تقليص المعروض محليًا، ما ضغط على الأسعار نحو الصعود.
وتعد اليوريا من أكثر الأسمدة استخدامًا في السوق المصرية، خاصة في زراعات القمح والأرز والذرة والخضر، ما يجعل أي تحرك في سعرها ذا تأثير مباشر على تكلفة الإنتاج الزراعي ،وبلوغ سعر اليوريا العادي 25 ألف جنيه والمخصوص 27 ألف جنيه يضع أعباء إضافية على المزارعين، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات أخرى مثل التقاوي والمبيدات وأجور العمالة.
أما النترات، التي سجلت 25 ألف جنيه للطن، فتُستخدم على نطاق واسع في الزراعات البستانية وبعض المحاصيل الاستراتيجية، ما يعني أن استمرار ارتفاعها قد ينعكس لاحقًا على أسعار الخضر والفاكهة في الأسواق. في المقابل، جاء سعر سلفات النشادر عند 23 ألف جنيه للطن، ليظل الأقل نسبيًا بين الأصناف الرئيسية، لكنه بدوره تأثر بالزيادة الأخيرة.
وبالنسبة لطن صادرات الأسمدة الذي سجل 550 دولارا،بدلا من 490 دولار مؤخرا فإن هذا السعر يعكس استمرار اهتمام الشركات بالأسواق الخارجية، خاصة في ظل الطلب القوي من بعض الدول المستوردة التي تعاني من نقص الإنتاج المحلي أو ارتفاع تكاليفه. ويُتوقع أن تظل الصادرات عنصرًا مؤثرًا في معادلة الأسعار، خصوصًا إذا استمرت الفجوة بين الأسعار العالمية والمحلية.
ويتوقع خبراء أن تبقى أسعار الأسمدة عرضة للتقلب خلال الفترة المقبلة، ارتباطًا بمسار أسعار الغاز عالميًا وتطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة. فإذا استمرت حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، أو شهدت أسواق الطاقة موجة صعود جديدة، فقد تتعرض الأسعار لمزيد من الارتفاع. أما في حال هدوء التوترات وتراجع أسعار الغاز، فقد ينعكس ذلك تدريجيًا على تكلفة الإنتاج، ومن ثم على الأسعار في السوق المحلية.
في المجمل، تعكس زيادة الألف جنيه الأخيرة واقعًا اقتصاديًا معقدًا، تتشابك فيه العوامل المحلية بالعالمية، من الطاقة إلى الجغرافيا السياسية، ليبقى المزارع في قلب هذه المعادلة، متأثرًا بأي تغير في أسعار مدخلات الإنتاج، في وقت يسعى فيه القطاع الزراعي إلى تحقيق الاستقرار وزيادة الإنتاج لمواجهة تحديات الأمن الغذائي.