عمر جودة: الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب وُلد في قلب العاصفة

45 عامًا من الصمود والنمو

مر جودة، عضو المجلس التنفيذي للصندوق سابقاً ورئيس لجنة المخاطر سابقاً

أكد عمر جودة، عضو المجلس التنفيذي للصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب سابقاً ورئيس لجنة المخاطر سابقاً، أن تجربة الصندوق تمثل واحدة من أنجح تجارب العمل العربي المشترك في قطاع التأمين، مشيراً إلى أن الصندوق لم ينشأ في ظروف عادية، بل وُلد في قلب عاصفة سياسية وعسكرية كادت تعصف بالتجارة العربية مطلع الثمانينيات.

وأوضح أن صيف عام 1980 كان لحظة مفصلية، ففي وقت كانت فيه المنطقة العربية تقف على أعتاب عقد كامل من الاضطرابات، ومع اقتراب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، اجتمع 27 ممثلاً لشركات تأمين وإعادة تأمين من سبع دول عربية في بغداد، وهم يحملون حلماً جريئاً: إنشاء كيان عربي متخصص يحمي السفن والبضائع العربية من أخطار الحروب.

وأشار جودة إلى أن التحدي كان بالغ الصعوبة، إذ بدأت شركات التأمين العالمية تنسحب تباعاً من تغطية أخطار الحرب في منطقة تتجه نحو الاشتعال، فيما رفعت شركات أخرى الأسعار إلى مستويات فلكية. كما فرضت سوق لويدز لندن شروطاً مشددة وتعجيزية على السفن والبضائع المتجهة إلى الخليج العربي، ما وضع الاقتصادات العربية أمام سؤال مصيري: كيف يمكن استمرار التجارة الدولية إذا كانت كل شحنة وكل سفينة مهددة بفقدان الغطاء التأميني في حال اندلاع الحرب؟

ومن هنا، بحسب جودة، جاءت القناعة بضرورة إيجاد حل عربي لمشكلة عربية، فكان ميلاد الصندوق الذي أصبح لاحقاً نموذجاً مؤسسياً ناجحاً في إدارة أخطار الحرب.

البداية في أغسطس 1979

قال جودة إن النقاشات الأولى انطلقت في اجتماع طارئ ببغداد في أغسطس 1979، حيث ناقشت شركات التأمين وإعادة التأمين العربية السيناريوهات الكارثية المحتملة حال اندلاع الحرب الوشيكة، وتساءلت: من سيؤمّن السفن العربية؟ من سيغطي البضائع؟ وهل تُترك المنطقة تحت رحمة شركات التأمين الأجنبية؟

وجاءت الإجابة حاسمة: تأسيس كيان عربي متخصص في تأمين أخطار الحرب.

وفي الأول من يوليو 1980، أُعلن رسمياً في مؤتمر تاريخي بالكويت عن تأسيس الصندوق، بمشاركة 27 عضواً مؤسساً من سبع دول عربية وقعوا وثيقة التأسيس، في بداية متواضعة من حيث الإمكانات، لكنها مدعومة بإيمان راسخ بقدرة العرب على التعاون المشترك.

وفي 31 يوليو 1980 صدر قرار الإنشاء من العراق، مانحاً الصندوق شخصية معنوية مستقلة، وإعفاءات ضريبية، وحصانة ضد التأميم والمصادرة.

وبدأ الصندوق عملياته الفعلية في الأول من يناير 1981، ليجد نفسه فوراً في أول اختبار حقيقي مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980.

1980 – 1988: الاختبار الحقيقي في حرب الخليج الأولى

أوضح جودة أن الخليج العربي تحوّل خلال تلك الفترة إلى منطقة حرب فعلية، حيث كانت السفن تُستهدف يومياً، والموانئ تُقصف، والممرات المائية تتحول إلى حقول ألغام.

وفي المقابل، انسحبت شركات التأمين العالمية من تغطية أخطار الحرب أو رفعت الأسعار بنسبة تجاوزت 500%.

ورغم ذلك، صمد الصندوق ونجح في توفير الحماية التأمينية للسفن والبضائع المتجهة إلى الموانئ العربية في الخليج، كما عمل على تثبيت الأسعار قدر الإمكان، ما ساهم في الحفاظ على استمرارية التجارة العربية في أحلك الظروف.

وأكد جودة أن تلك المرحلة أثبتت أن الفكرة لم تكن مجرد حلم رومانسي، بل ضرورة إستراتيجية ومشروع اقتصادي ناجح.

1990: أكبر تعويض في تاريخ الصندوق

وأشار جودة إلى أن الصندوق واجه اختباراً تاريخياً جديداً مع اندلاع حرب الخليج الثانية في أغسطس 1990، حيث سدد أكبر تعويض في تاريخه بقيمة 165 مليون دولار دفعة واحدة نتيجة أضرار لحقت بأساطيل طيران ومنشآت مؤمَّن عليها.

وأوضح أن المطالبات كانت ضخمة والدمار واسع النطاق، إلا أن الصندوق سدد التزاماته بالكامل وبسرعة لافتة، دون أن يتأثر كيانه المالي.

وأكد أن هذا الحدث عزز ثقة الأسواق العالمية في قدرة العرب على إدارة مؤسسات مالية معقدة في ظروف استثنائية.

الانتقال إلى البحرين.. استقرار مؤسسي طويل الأجل

بيّن جودة أن الصندوق انتقل من بغداد إلى قبرص عام 1990 لفترة مؤقتة، قبل أن يستقر نهائياً في المنامة عاصمة مملكة البحرين منذ عام 1994.

وأوضح أن اختيار البحرين جاء لما تتمتع به من بيئة تنظيمية متطورة واستقرار مالي، ما وفر للصندوق المناخ المثالي للنمو، إلى جانب قربه من الأسواق الرئيسية وشبكة شركائه من شركات إعادة التأمين العالمية من الدرجة الأولى.

قال جودة إن الصندوق يضم اليوم 194 شركة تأمين وإعادة تأمين من 16 دولة عربية، مقارنة بـ27 عضواً مؤسساً فقط، بزيادة تتجاوز 700%.

ويمتد نطاق العضوية من المحيط إلى الخليج، من موريتانيا حتى سلطنة عُمان، ليصبح الصندوق أيقونة للتعاون العربي المؤسسي الناجح.

0.3% متوسط معدل الخسارة

كشف جودة أن متوسط معدل الخسارة المرجح للصندوق خلال الفترة من 2020 إلى 2024 بلغ 0.3% فقط، وهو رقم استثنائي في قطاع يتسم بارتفاع المخاطر وتقلباتها.

كما بلغ متوسط النسبة المجمعة (Combined Ratio) خلال الفترة نفسها 65.7%، ما يضع الصندوق ضمن النخبة العالمية من حيث كفاءة الاكتتاب والانضباط الفني.

وأشار إلى أن وكالة AM Best منحت الصندوق تصنيفاً ائتمانياً B++ (Good) مع نظرة مستقبلية مستقرة، إلى جانب تقييم قوة ميزانية عمومية عند مستوى «قوية جداً»، مؤكداً أن هذا التصنيف يمثل شهادة نجاح حقيقية في عالم التأمين.

كما أوضح أن الصندوق وزّع أكثر من 265 مليون دولار أرباحاً على أعضائه منذ تأسيسه، في إطار سياسة تقوم على توزيع 80% من الأرباح على الأعضاء و20% لدعم الاحتياطيات، بما يحقق توازناً مالياً مستداماً.

قدرات اكتتابية ومنتجات متخصصة

أوضح جودة أن الطاقة الاستيعابية للصندوق تصل إلى 250 مليون دولار للوثيقة الواحدة لتأمين أخطار الحرب البحري والبري والجوي.

كما يوفر منتجات متخصصة تشمل: (تأمين الإرهاب والعنف السياسي حتى 75 مليون دولار لكل خطر، وتأمين الخطف والفدية، وتأمين إلغاء الفعاليات الكبرى والمعارض والمهرجانات والحفلات، وتأمين ورش إصلاح السفن حتى 50 مليون دولار.

وأضاف أن الصندوق لعب دوراً حيوياً في توفير غطاء تأميني لأخطار الحرب لشحنات الحبوب القادمة من روسيا وأوكرانيا إلى المنطقة العربية، كمبادرة خاصة تدعم استقرار الأمن الغذائي العربي.

مصر والصندوق.. شراكة إستراتيجية ممتدة

أكد جودة أن مصر شاركت في تأسيس الصندوق منذ البداية، وتزايد عدد شركات التأمين المصرية الأعضاء بمرور الوقت، حيث يوفر الصندوق معظم تغطيات أخطار الحرب التي تحتاجها هذه الشركات.

وأشار إلى أنه مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر منذ عام 2023، أصبح دور الصندوق أكثر أهمية في دعم سوق التأمين المصري، خاصة في ظل تأثير الأحداث على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

2025 – 2026: الصندوق في قلب العاصفة مجددا

قال جودة إن تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر وباب المندب أدى إلى ارتفاع أقساط التأمين بنسبة تراوحت بين 300% و500%. وأكد أن الصندوق لعب دوراً مهماً في توفير تغطيات بأسعار أكثر استقراراً، ما دعم الملاحة والتجارة العربية وساهم في منع انفلات الأسعار من أسواق لندن.

وأضاف أن التوترات حول مضيق هرمز في منتصف 2025 أدت إلى ارتفاع أقساط أخطار الحرب من 0.2–0.3% إلى نحو 0.5% خلال أسبوع واحد، مشيراً إلى أن الصندوق عمل كحائط صد أمام الانفلات السعري العالمي، وساهم في استمرار حركة التجارة ولو بوتيرة محدودة.

وأرجع جودة نجاح الصندوق إلى خمسة عوامل رئيسية (نموذج اقتصادي مهني يعمل بمعايير السوق بعيداً عن الاعتبارات السياسية، وتلبية حاجة حقيقية في منطقة مرتفعة المخاطر، وانضباط اكتتابي صارم انعكس في معدل خسارة 0.3% رغم شدة المنافسة، وعلاقات قوية مع أسواق عالمية وشركاء إعادة تأمين بتصنيفات مرتفعة، وحوكمة واضحة توازن بين توزيع الأرباح وتعزيز الاحتياطيات).

وتتمثل أبرز حقائق الصندوق في (194 شركة عضو من 16 دولة عربية - 165 مليون دولار أكبر تعويض في التاريخ (1990) - 250 مليون دولار طاقة استيعابية لكل وثيقة - 0.3% متوسط معدل الخسارة (2020–2024) -  B++ تصنيف من AM Best مع نظرة مستقبلية مستقرة - المنامة – مملكة البحرين المقر الرئيسي منذ (1994) - 1 يناير 1981 بداية العمليات الفعلية - أكثر من 265 مليون دولار أرباح موزعة على الأعضاء).

واختتم جودة تصريحاته بالتأكيد على أن الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب ليس مجرد مؤسسة تأمينية، بل أداة اقتصادية عربية فاعلة تعظم احتفاظ الأسواق العربية بالأقساط، وتحد من تكاليف الشحن والتأمين، وتوفر مظلة حماية استراتيجية للتجارة العربية في أوقات الأزمات.

وقال: «في زمن تتصاعد فيه أخطار الحرب في البحر الأحمر والخليج العربي، يصبح الصندوق أكثر أهمية من أي وقت مضى… إنه قصة نجاح عربي نادر تستحق أن تُروى».