حذر الدكتور شريف محسن، عضو لجنة سفن المحيطات بالاتحاد الدولي للتأمين البحري الأسبق، من تصاعد مخاطر ما يُعرف بالسفن «الزومبي» (Zombie Ships)، مؤكدًا أنها أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا لشركات التأمين البحري وشركات الشحن والتجارة الدولية، في ظل تزايد استخدام سفن تعمل بهويات مزيفة أو معاد استخدامها داخل منظومة النقل البحري العالمية.
مخاطر مباشرة تهدد شركات التأمين البحري
وقال محسن إن التأمين على سفن تحمل هويات منتحلة قد يعرّض شركات التأمين لخسائر مالية وتنظيمية جسيمة، خاصة في حال ثبوت تورط تلك السفن في أنشطة تهريب أو انتهاكات للعقوبات الدولية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مصادرة البضائع المؤمن عليها أو تجميد المدفوعات وفتح تحقيقات رقابية دولية، بما ينعكس سلبًا على المراكز المالية والسمعة المؤسسية لشركات التأمين.
التزامات خفية قد تظهر بعد وقوع الخسائر
وأوضح أن إصدار وثائق تأمين لسفن تعمل بهويات غير حقيقية يضع شركات التأمين أمام التزامات خفية لا تظهر غالبًا إلا بعد وقوع الحوادث أو اكتشاف المخالفات، مشيرًا إلى أن تلك التداعيات قد تمتد لتشمل تعطيل العقود التجارية وفقدان ثقة العملاء والشركاء الدوليين، وهو ما يجعل التحقق من التاريخ التشغيلي الحقيقي للسفينة خطوة أساسية قبل إصدار وثائق التأمين أو تمويل الشحنات البحرية.
ما السفن الزومبي وكيف تعمل؟
وأشار محسن إلى أن السفن الزومبي هي سفن تعود للظهور داخل أنظمة الملاحة الدولية بعد تفكيكها أو إلغاء تسجيلها رسميًا، وذلك من خلال انتحال هوية سفن أخرى غير نشطة، بما يسمح لها بالعمل تحت غطاء قانوني ظاهري. وأضاف أن هذه الممارسة تعتمد على ما يُعرف بغسيل الهوية البحرية، حيث يتم بث أسماء أو أرقام أو أعلام سبق إصدارها لسفن أخرى، ما يمكّن جهات خاضعة للعقوبات أو شبكات تهريب من تجاوز أنظمة الامتثال التقليدية والعمل بعيدًا عن أنظمة الرقابة.
تهديد متزايد للأمن البحري وسلاسل الإمداد
وأكد أن السفن الزومبي تستغل ثغرات أنظمة المراقبة التقليدية لتندمج داخل حركة الملاحة المشروعة، وهو ما يسمح بإخفاء أنشطة غير قانونية مثل التهريب أو الالتفاف على العقوبات الدولية أو نقل بضائع محظورة، لافتًا إلى أن نشاط هذه السفن بالقرب من مناطق مرتفعة المخاطر يهدد الأمن البحري ويؤثر سلبًا على استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
لماذا تلجأ الجهات المخالفة إلى السفن الزومبي؟
وأضاف محسن أن السفن الزومبي تبدو داخل قواعد البيانات البحرية كسفن طبيعية وغير مثيرة للشك، الأمر الذي يمنح الجهات المخالفة فرصة للتحايل على أنظمة الرقابة الدولية، بعكس السفن الجديدة التي تخضع لإجراءات تدقيق صارمة، وهو ما يجعل هذه الآلية أداة فعالة لنقل السلع الخاضعة للعقوبات مع تقليل احتمالات المصادرة أو المساءلة التنظيمية.
الذكاء الاصطناعي أداة رئيسية لكشف السفن المزيفة
وأوضح أن الحكومات وأجهزة خفر السواحل تعتمد بشكل متزايد على تحليلات الذكاء الاصطناعي لرصد السفن التي تعمل بهويات مزيفة، وذلك من خلال مقارنة بيانات نظام التعرف الآلي للسفن (AIS) مع سجلات الملكية والتشغيل وتاريخ رسو السفن بالموانئ، حيث تظهر مؤشرات الاشتباه في حالات الصمت الطويل لنظام التتبع يعقبه نشاط مفاجئ أو تغيير علم السفينة خلال فترة زمنية قصيرة أو وجود اختلافات بين المواصفات الفنية والبيانات التاريخية للسفينة.
اضطرابات لوجستية وتعطيل عمليات الموانئ
وأشار إلى أن السفن الزومبي قد تتسبب في تعطيل عمليات الموانئ والتخليص الجمركي نتيجة عدم تطابق هوية السفينة مع سجلات الموانئ أو بيانات التتبع، وهو ما يؤدي إلى احتجاز الحاويات وتأخير الشحنات وفرض غرامات تشغيلية تؤثر على كفاءة منظومة النقل البحري وسلاسة حركة التجارة الدولية.
قصور قواعد البيانات البحرية التقليدية
ولفت محسن إلى أن هذه الظاهرة تكشف عن محدودية قواعد البيانات البحرية التقليدية التي لم تُصمم لرصد التضليل السلوكي أو إعادة استخدام الهويات، مؤكدًا أهمية دمج بيانات التتبع اللحظية مع نماذج تحليل السلوك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب استمرار دور العنصر البشري في التحقق من الحالات عالية المخاطر.
اهتمام دولي متزايد بالظاهرة
وأكد أن ملف السفن الزومبي حظي باهتمام واسع خلال المؤتمر السنوي للاتحاد الدولي للتأمين البحري الذي عُقد في سنغافورة خلال سبتمبر 2025، حيث تم استعراض تصاعد حالات التلاعب بالهوية الرقمية للسفن نتيجة إعادة استخدام معرفات الملاحة أو اختراق أجهزة الإرسال الخاصة بنظام التعرف الآلي.
أرقام تعكس اتساع الظاهرة عالميًا
وأوضح أن تحليلًا دوليًا رصد أكثر من 573 ألف معرف ملاحي فريد خلال فترة 30 يومًا، تبين أن نحو 72% منها غير متطابق بالكامل مع قواعد بيانات نظام MMSI، وهو ما يعكس اتساع نطاق التحديات المرتبطة بالهوية البحرية عالميًا.
دعوة لتعزيز الامتثال الرقمي في قطاع التأمين البحري
واختتم محسن تصريحاته بالتأكيد على أن مواجهة ظاهرة السفن الزومبي تتطلب تطوير أدوات الامتثال الرقمي وتعزيز إجراءات العناية الواجبة داخل شركات التأمين والنقل البحري، بما يسهم في حماية التجارة العالمية والحد من المخاطر التشغيلية والقانونية المتنامية التي تواجه صناعة التأمين البحري.