كشفت شركة “أوبن إيه آي” عن تفاصيل الاتفاق الذي أبرمته مع وزارة الدفاع الأمريكية لنشر تقنياتها على الشبكة المصنفة سرّية التابعة للبنتاجون، مؤكدة أن العقد يتضمن «ضمانات إضافية ومتعددة الطبقات» لحماية استخدامات أنظمة الذكاء الاصطناعي في البيئات الدفاعية الحساسة.
يأتي الإعلان بعد يوم واحد فقط من توقيع الاتفاق، في خطوة تعكس تسارع اعتماد المؤسسات العسكرية الأمريكية على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وسط نقاش متصاعد حول حدود استخدام هذه التكنولوجيا في مجالات الأمن القومي وصنع القرار العسكري.
تزامن الاتفاق مع قرار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقضي بتوجيه الحكومة لوقف التعاون مع شركة أنثروبيك، على أن يُصنفها البنتاجون كمصدر «مخاطر في سلاسل الإمداد»، في تطور مثّل ضربة قوية للشركة الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأعلنت «أنثروبيك» أنها ستطعن قضائيًا في أي تصنيف رسمي يعتبرها مصدر خطر، معتبرة أن القرار يفتقر إلى الأسس الموضوعية. وجاء ذلك في أعقاب خلافات تتعلق بما يُعرف بـ«حواجز الأمان التقنية» وحدود استخدام النماذج الذكية في التطبيقات العسكرية.
وبعد ساعات من هذه التطورات، أعلنت «أوبن إيه آي» توقيع اتفاقها الخاص مع وزارة الدفاع، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها إعادة رسم لخريطة الشراكات التقنية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.
خطوط حمراء لاستخدام التقنية
أوضحت «أوبن إيه آي» أن عقدها مع وزارة الدفاع – التي أعادت الإدارة الأمريكية تسميتها مؤخرًا إلى «وزارة الحرب» – يفرض ثلاثة خطوط حمراء رئيسية لا يجوز تجاوزها:
أولًا، حظر استخدام تقنيات الشركة في المراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة.
ثانيًا، منع توظيف أنظمتها لتوجيه أسلحة ذاتية التشغيل.
ثالثًا، حظر الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات آلية عالية المخاطر دون إشراف بشري مباشر.
وأكدت الشركة أن اتفاقها «يتضمن حواجز أمان أكثر من أي اتفاق سابق لنشر أنظمة ذكاء اصطناعي في بيئات مصنفة سرّية»، في إشارة ضمنية إلى عقود أبرمتها جهات دفاعية مع شركات أخرى.
بحسب بيان الشركة، فإن آلية الحماية تعتمد على مقاربة موسعة ومتعددة المستويات، تشمل الاحتفاظ بالتحكم الكامل في «منظومة الأمان» الخاصة بها، ونشر التقنية عبر بيئة سحابية خاضعة للرقابة، إضافة إلى وجود موظفين معتمدين أمنيًا ضمن حلقة التشغيل، فضلًا عن بنود تعاقدية صارمة تحكم الاستخدام.
ويمثل هذا النهج محاولة لتحقيق توازن دقيق بين تلبية احتياجات الأمن القومي الأمريكي، والحفاظ على التزامات الشركة المعلنة بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
سباق عقود بمئات الملايين
خلال العام الماضي، وقّع البنتاجون عقودًا تصل قيمة كل منها إلى 200 مليون دولار مع مختبرات رئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي، من بينها جوجل، إلى جانب «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك». ويهدف الجيش الأمريكي إلى الحفاظ على مرونة تشغيلية كاملة في توظيف التقنيات الناشئة، دون أن يكون مقيدًا بتحفظات الشركات المطورة بشأن استخدام أنظمتها في تطبيقات تسليحية أو قتالية.
في المقابل، تؤكد شركات الذكاء الاصطناعي أنها تسعى إلى منع إساءة استخدام نماذجها، خاصة في المجالات التي قد تؤدي إلى أضرار واسعة النطاق أو أخطاء كارثية ناتجة عن قرارات آلية غير دقيقة.
بند إنهاء التعاقد في حال الإخلال
حذرت «أوبن إيه آي» من أن أي إخلال من جانب الحكومة الأمريكية ببنود الاتفاق قد يؤدي إلى إنهاء العقد، وإن كانت قد أضافت أنها لا تتوقع حدوث ذلك. ويعكس هذا التحفظ إدراكًا لحساسية التعاون بين القطاعين التكنولوجي والعسكري، خصوصًا في ظل الجدل الأخلاقي المتصاعد حول تسليح الذكاء الاصطناعي.
وفي موقف لافت، شددت الشركة أيضًا على أن منافستها «أنثروبيك» لا ينبغي تصنيفها كمخاطر في سلاسل الإمداد، مؤكدة أنها أوضحت موقفها هذا للحكومة الأمريكية، في إشارة إلى رغبتها في تجنب تحويل المنافسة التقنية إلى صراع سياسي أو أمني.
تسلط هذه التطورات الضوء على معادلة معقدة تحكم العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي والحكومات: فمن جهة، تمثل العقود الدفاعية مصدر تمويل ونفوذ استراتيجي بالغ الأهمية؛ ومن جهة أخرى، تفرض اعتبارات أخلاقية وتنظيمية تحديات متزايدة بشأن حدود الاستخدام.
ومع تسارع سباق التسلح الرقمي عالميًا، يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد إعادة تعريف أعمق لدور شركات الذكاء الاصطناعي في المنظومات العسكرية، وسط محاولات مستمرة لبناء أطر حوكمة تضمن الاستفادة من قدرات التكنولوجيا دون الانزلاق إلى استخدامات غير منضبطة أو عالية المخاطر.