ترامب يلقي أطول خطاب في تاريخ أمريكا أمام الكونجرس وسط انقسام سياسي وتوتر اقتصادي

تركيز اقتصادي ومحاولة إعادة ضبط المشهد

دونالد ترامب

سجّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رقماً قياسياً جديداً بإلقائه أطول خطاب لحالة الاتحاد أمام الكونجرس في التاريخ الحديث، استمر لمدة ساعة و47 دقيقة، في كلمة اتسمت بتركيز مكثف على الاقتصاد والهجرة، وسط تراجع في معدلات التأييد الشعبي وتصاعد التوترات السياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي.

وجاء الخطاب في لحظة دقيقة سياسياً، مع تزايد المخاوف بشأن تداعيات السياسات الجمركية للإدارة الأمريكية، والجدل المتصاعد حول السياسة الخارجية، لا سيما تجاه إيران وروسيا وأوكرانيا.

تركيز اقتصادي ومحاولة إعادة ضبط المشهد

استهل ترامب خطابه بإبراز ما اعتبره إنجازات اقتصادية بارزة، معلناً دخول الولايات المتحدة ما وصفه بـ"العصر الذهبي لأمريكا". وأكد أنه نجح في خفض معدلات التضخم، ودفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية، وإقرار تخفيضات ضريبية واسعة، إضافة إلى تقليص أسعار الأدوية.

كما أعلن خطة لمطابقة مساهمات بعض العمال في حسابات التقاعد (401k) بمبلغ يصل إلى ألف دولار سنوياً، من دون تقديم تفاصيل تمويل واضحة، في خطوة رأى بعض المستثمرين أنها قد تعزز تدفقات السيولة إلى الأسواق المالية.

غير أن الخطاب لم يتضمن إشارات حاسمة بشأن مستقبل السياسة التجارية، خاصة بعد أن حدّت المحكمة العليا الأمريكية من صلاحياته المتعلقة بفرض رسوم جمركية على الواردات، وهو ما أبقى حالة القلق قائمة في أوساط وول ستريت.

بحسب استطلاع أجرته رويترز/إبسوس، تبلغ نسبة التأييد لأداء ترامب نحو 40%، مقارنة بـ47% عند بداية ولايته الحالية. كما أظهر الاستطلاع أن 61% من المشاركين يرون أنه "أصبح أكثر اندفاعاً مع التقدم في العمر"، علماً بأنه عاد إلى البيت الأبيض بعمر 78 عاماً، ليكون الأكبر سناً عند توليه المنصب.

وتُعد الملفات الاقتصادية والهجرة الأكثر تأثيراً على الناخبين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي قد تعيد رسم موازين القوى داخل الكونغرس.

سياسة خارجية في الهامش

رغم أن العام الأول من ولايته شهد تركيزاً ملحوظاً على السياسة الخارجية، فإن ترامب لم يتطرق إلى إيران إلا بعد مرور نحو 90 دقيقة من خطابه، مكتفياً بتكرار موقفه الرافض لامتلاك طهران سلاحاً نووياً، من دون توضيح مسار عسكري محدد.

كما لم تحظ الحرب الروسية الأوكرانية سوى بإشارات عابرة، فيما غابت فنزويلا تقريباً عن النقاش، ما اعتبره مراقبون دليلاً على محاولة الرئيس إعادة توجيه الخطاب نحو القضايا الداخلية.

الهجرة والجدل داخل القاعة

كرر ترامب اتهاماته للمهاجرين غير النظاميين بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة، رغم دراسات تشير إلى عكس ذلك. وخلال إشادته بسياسات إنفاذ قوانين الهجرة، قاطعته النائبة الديمقراطية Ilhan Omar بهتاف حاد من داخل القاعة، في مشهد يعكس حدة الانقسام السياسي.

كما شهد الخطاب احتجاجاً آخر من النائب الديمقراطي آل غرين، الذي طُرد من الجلسة للعام الثاني على التوالي، على خلفية انتقاده لمنشور سابق لترامب على وسائل التواصل الاجتماعي اعتُبر مسيئاً للرئيس الأسبق Barack Obama.

رد ديمقراطي حاد

في المقابل، قدّمت حاكمة ولاية فيرجينيا Abigail Spanberger الرد الرسمي باسم الحزب الديمقراطي، منتقدة ما وصفته بتدهور الأوضاع الاقتصادية تحت وطأة الرسوم الجمركية، ومعتبرة أن سياسات الإدارة الحالية "تفاقم الأعباء على الأسر الأميركية".

وقالت سبانبرغر إن خطاب الرئيس "تجاهل التحديات الحقيقية التي تواجه المواطنين"، متهمة إياه بالمبالغة في الإنجازات، وصرف الانتباه عن مشكلات جوهرية في الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة.

تكريمات ورسائل رمزية

تخلل الخطاب منح ست ميداليات شرف لشخصيات عسكرية ومدنية، من بينها محارب قديم في الحرب الكورية يبلغ من العمر 100 عام، إضافة إلى عناصر من الحرس الوطني وخفر السواحل. وفي لفتة لافتة، مازح ترامب الحضور بقوله إنه كان يتمنى منح نفسه وسام الشرف، لكنه "غير مسموح له بذلك".

وبحسب محللين، التزم ترامب هذه المرة إلى حد كبير بالنص المُعد مسبقاً، مبتعداً عن الارتجال المطوّل الذي ميّز خطاباته السابقة. ورغم نبرة المواجهة تجاه الديمقراطيين، بدا أكثر انضباطاً في الطرح، في محاولة واضحة لإظهار صورة قيادية مستقرة أمام جمهور منقسم.

يأتي هذا الخطاب التاريخي من حيث مدته في وقت يواجه فيه الرئيس تحديات داخلية وخارجية متزايدة. وبينما يسعى إلى استعادة الزخم السياسي قبل الانتخابات النصفية، يظل السؤال المطروح: هل تكفي الأرقام القياسية والخطابات المطولة لإقناع ناخبين يبدون أكثر قلقاً بشأن مستقبل الاقتصاد وتكاليف المعيشة؟

الأسابيع المقبلة، ومع تبلور مواقف الناخبين، ستحدد ما إذا كان هذا الخطاب محطة تحول في مسار الإدارة، أم مجرد فصل آخر في حالة الاستقطاب السياسي التي تطبع المشهد الأميركي الراهن.