سجل معدل التضخم في المملكة المتحدة تراجعًا ملحوظًا خلال يناير، ليهبط إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عام، ما يعزز احتمالات اتجاه بنك إنجلترا إلى خفض أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل، في ظل إشارات متباينة بشأن الضغوط السعرية الأساسية في الاقتصاد البريطاني.
وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 3.0% على أساس سنوي في يناير، مقارنة بزيادة بلغت 3.4% في ديسمبر، مدفوعة بتباطؤ وتيرة ارتفاع أسعار النقل والمواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية.
وجاءت القراءة متوافقة مع توقعات غالبية الاقتصاديين الذين استطلعت آرائهم وكالة رويترز، والذين رجحوا تراجع المعدل السنوي إلى 3.0%. وكان بنك إنجلترا قد توقع في وقت سابق من الشهر الجاري أن يتراجع التضخم إلى 2.9% قبل أن يشهد انخفاضًا أكبر في أبريل ليقترب من المستوى المستهدف عند 2%.
تراجع تضخم الغذاء
أظهرت البيانات أن تضخم أسعار الغذاء – الذي يعتبره البنك المركزي مؤشرًا رئيسيًا لتشكيل توقعات المستهلكين بشأن الأسعار – سجل أضعف وتيرة له منذ أبريل من العام الماضي، في إشارة إلى تراجع الضغوط على تكاليف المعيشة.
كما انخفضت أسعار تذاكر الطيران بشكل حاد على أساس شهري بعد قفزة قوية في ديسمبر، ما ساهم في كبح معدل التضخم العام خلال يناير.
في المقابل، ارتفع معدل التضخم الأساسي – الذي يستثني أسعار الطاقة والغذاء والتبغ – إلى 3.1% في يناير، ليسجل أدنى مستوى له منذ سبتمبر 2021، ما يعكس تباطؤًا تدريجيًا في الضغوط السعرية الكامنة، وإن ظل فوق مستهدف البنك المركزي.
استقرار الجنيه الإسترليني
لم يشهد الجنيه الإسترليني تغيرًا ملحوظًا أمام الدولار الأمريكي عقب صدور البيانات، في إشارة إلى أن الأسواق كانت قد استوعبت إلى حد كبير قراءة التضخم المتوقعة.
وتُظهر عقود أسعار الفائدة الآجلة أن المستثمرين يضعون احتمالًا يقارب 80% لخفض أسعار الفائدة خلال مارس المقبل، مع توقعات بخفض إضافي في وقت لاحق من عام 2026. ويرجح المستثمرون أن يتم خفض سعر الفائدة القياسي إلى نحو 3.5%، بعد أن أبقت لجنة السياسة النقدية تكاليف الاقتراض دون تغيير في فبراير بفارق تصويت ضئيل.
استمرار الضغوط في قطاع الخدمات
ورغم التراجع في التضخم العام، كشفت البيانات عن استمرار بعض مؤشرات القلق بالنسبة لصناع السياسة النقدية. فقد تباطأ تضخم قطاع الخدمات – الذي يُنظر إليه باعتباره مقياسًا رئيسيًا للضغوط السعرية المحلية – بشكل طفيف فقط إلى 4.4% من 4.5% في ديسمبر، وهو مستوى أعلى من توقعات السوق التي أشارت إلى انخفاضه إلى 4.3%.
ويعكس هذا الأداء استمرار ما يُعرف بـ"لزوجة" تضخم الخدمات، وهو ما قد يدفع لجنة السياسة النقدية إلى التحلي بالحذر رغم تراجع المعدل العام. ويرى محللون أن مؤشرات المسوح السعرية تشير إلى أن وتيرة انحسار التضخم ربما تباطأت، ما يعني أن أي مسار لخفض الفائدة سيكون تدريجيًا ومدروسًا.
تضخم بريطانيا أعلى من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو
لا يزال معدل التضخم في المملكة المتحدة أعلى من نظيره في الاقتصادات المتقدمة الأخرى. فقد بلغ التضخم في الولايات المتحدة نحو 2.4% في يناير، فيما سجل في منطقة اليورو 1.7%، ما يعكس اختلافًا في ديناميكيات الأسعار بين بريطانيا وشركائها التجاريين الرئيسيين.
ويتوقع بنك إنجلترا أن يتباطأ التضخم بشكل حاد إلى ما يقرب من 2% في أبريل، مع خروج زيادات العام الماضي في فواتير المرافق العامة والرسوم الحكومية من المقارنة السنوية، وهو ما قد يخلق مساحة أوسع لتخفيف السياسة النقدية.
تأتي بيانات التضخم في وقت تشير فيه مؤشرات أخرى إلى ضعف الأداء الاقتصادي البريطاني. فقد أظهرت بيانات حديثة أن الاقتصاد سجل نموًا هامشيًا للغاية في نهاية عام 2025، بينما أظهرت بيانات سوق العمل استمرار فقدان الوظائف، رغم وجود بعض بوادر الاستقرار.
وفي ضوء هذا المشهد، يجد بنك إنجلترا نفسه أمام معادلة دقيقة: الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي عبر خفض الفائدة، والحفاظ على مسار مستدام لاحتواء الضغوط التضخمية الأساسية، لا سيما في قطاع الخدمات.
وبينما يقترب التضخم من مستهدف 2%، يبقى السؤال المطروح أمام الأسواق هو مدى سرعة وعمق دورة خفض الفائدة المرتقبة، في ظل استمرار بعض عوامل عدم اليقين المرتبطة بسوق العمل ومسار الأسعار المحلية خلال الأشهر المقبلة.