يشهد هذا العام ذروة المواجهة بين المفوضية الأوروبية وشركتي "ميتا" و"أبل"، حيث لم تعد المعركة تدور حول الخصوصية فحسب، بل انتقلت إلى قلب المحرك التكنولوجي القادم، وهو الذكاء الاصطناعي.
ويسعى الاتحاد الأوروبي عبر منظومة قانونية هي الأشرس عالميا إلى منع تحول منصات التواصل وأنظمة التشغيل إلى "حدائق مغلقة" تستحوذ فيها الشركات الكبرى على مستقبل الذكاء الاصطناعي، مستخدمة سلاحين رئيسيين هما، قانون الأسواق الرقمية (Digital Markets Act – DMA) وقانون الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence Act – AI Act)، حيث المفوضية الأوروبية تضغط على "ميتا" لفتح تطبيق واتساب لمساعدي الذكاء الاصطناعي التابعين لشركات أخرى.
أحدثت المفوضية الأوروبية زلزالا تقنيا بتوجيه اتهامات رسمية لشركة ميتا بانتهاك قواعد مكافحة الاحتكار، والقضية تتركز حول تطبيق "واتساب" الذي يهيمن على سوق المراسلة في أوروبا.
واتهمت المفوضية ميتا بأنها تفرض مساعدها الخاص "ميتا إيه آي" (Meta AI) كخيار وحيد وحصريا للمستخدمين، بينما تمنع المنافسين مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"جوجل" (Google) من تقديم مساعداتهم الذكية عبر واجهة التطبيق.
وتعتمد الإستراتيجية الأوروبية هنا على مبدأ "التوافق التشغيلي"، حيث يرى المشرعون أن واتساب "بوابة" لا يجوز إغلاقها أمام الابتكارات الخارجية.
ولذلك أصبح التهديد بفرض عقوبات تصل إلى 10% من الدخل العالمي السنوي لميتا يهدف إلى إجبارها على توفير "مدخل رقمي" يسمح لأي ذكاء اصطناعي خارجي بالعمل داخل التطبيق بنفس السلاسة التي يعمل بها مساعد ميتا، مما يمنح المستخدم حرية الاختيار ويكسر هيمنة الشركة على بيانات المحادثات واستخدامها في تدريب نماذجها حصريا.
أبل والذكاء الاصطناعي
أما شركة أبل، فتواجه ضغوطا من نوع مختلف، فنظام "أبل إنتليجنس" (Apple Intelligence) يعتمد على تكامل عميق بين العتاد والبرمجيات، وهو ما تراه أوروبا ميزة احتكارية غير عادلة.
وبموجب قانون الأسواق الرقمية (DMA)، يطالب الاتحاد الأوروبي أبل بالسماح لمحركات ذكاء اصطناعي منافسة بالوصول إلى "النواة" (Core) الخاصة بنظام التشغيل "آي أو إس" (iOS).
وحاولت أبل المقاومة بتأخير إطلاق ميزات الذكاء الاصطناعي في أوروبا، متذرعة بمخاوف أمنية، لكن الرد الأوروبي كان حازما: "الأمن لا يجب أن يكون غطاء للاحتكار".
وتلزم القوانين الجديدة أبل بتسهيل "التحميل الجانبي لنماذج الذكاء الاصطناعي" بحيث يمكن للمستخدم استبدال "سيري" كليا بمساعد آخر، دون أن تفقد الميزات الذكية للجهاز وظيفتها.
ونظام ذكاء أبل يواجه تدقيقا صارما لضمان عدم منح أبل أفضلية غير عادلة لتطبيقاتها الذكية (شترستوك)
وبينما يركز قانون الأسواق الرقمية على "التنافسية"، يركز قانون الذكاء الاصطناعي -الذي دخلت قواعده الصارمة حيز التنفيذ الكامل في أغسطس 2025 وبداية 2026- على "الشفافية"، حيث يجبر القانون شركتي ميتا وأبل على الإفصاح عن البيانات بتقديم سجلات مفصلة للمحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر المستخدم في تدريب النماذج. وتقييم المخاطر بإثبات أن نماذجها "عامة الأغراض" لا تشكل مخاطر نظامية على الديمقراطية أو الصحة النفسية للأوروبيين.
ويمنع هذا الضغط القانوني الشركات من التوسع السريع وغير المنضبط، ويمنح الشركات الناشئة الأوروبية فرصة للمنافسة في بيئة تكون فيها القواعد واضحة والبيانات ليست حكرا على من يملك المنصة.
ويقول المراقبون إن هدف الاتحاد الأوروبي من هذه الخطوات هو تحقيق "السيادة الرقمية"، وإذا نجحت هذه الجهود، فلن يعود الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية تبيعها شركات الهواتف، بل سيتحول إلى "خدمة عامة" يمكن تبديل مزودها بسهولة كما نبدل مزود الاتصالات.
ويمثل هذا العام حسب قولهم، نقطة تحول، فإما أن تذعن ميتا وأبل للقواعد الأوروبية ويتحول الذكاء الاصطناعي إلى سوق تشاركي، أو تستمر الشركات في سياسة "التأخير والمنع" في أوروبا، مما قد يؤدي إلى فجوة تقنية تراهن بروكسل على أنها ستجبر الشركات في النهاية على الخضوع لقوة السوق الأوروبية الموحدة.