تتجه أنظار المستثمرين في أوروبا والعالم إلى تطورات الملف الإيراني، في وقت خيّم فيه الهدوء على التداولات العالمية بسبب عطلات رأس السنة القمرية في عدد من الأسواق الآسيوية، مقابل تصاعد الاهتمام بالمسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاء هذا التحول في بوصلة الأسواق بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشار إلى أنه سيشارك «بشكل غير مباشر» في محادثات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والمقرر عقدها في مدينة Geneva. وأضاف أن طهران تبدو راغبة في التوصل إلى اتفاق، ما عزز رهانات المستثمرين على خفض حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
تحركات النفط والذهب
في ضوء هذه التصريحات، ارتفعت أسعار النفط مدفوعة بتوقعات استقرار الإمدادات حال نجاح المسار التفاوضي، فيما تراجعت أسعار الذهب، الذي يُعد ملاذًا آمنًا، مع انحسار المخاوف الجيوسياسية نسبيًا.
ويرى محللون أن أي انفراجة في العلاقات الأميركية – الإيرانية قد تخفف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل حساسية الإمدادات القادمة من منطقة الخليج، وتأثيرها المباشر على معدلات التضخم العالمية.
شهدت الأسواق المالية نشاطًا محدودًا مع إغلاق بورصات الصين القارية، هونغ كونغ، سنغافورة، تايوان وكوريا الجنوبية بمناسبة عطلات رأس السنة القمرية، بالتزامن مع عطلة «يوم الرؤساء» في الولايات المتحدة، ما قلّص أحجام التداول وأبقى التحركات ضمن نطاقات ضيقة.
هذا الهدوء الفني دفع المتعاملين إلى التركيز على البيانات الاقتصادية المرتقبة خلال الأسبوع، باعتبارها المحرك الرئيسي للأسواق في ظل غياب تدفقات آسيوية كبيرة.
بيانات التضخم في دائرة الضوء
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، المقرر صدورها الأربعاء، إضافة إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي يوم الجمعة، والتي ستوفر مؤشرات حاسمة بشأن مسار السياسة النقدية في أكبر اقتصاد في العالم.
كما تترقب الأسواق صدور بيانات التضخم في بريطانيا وكندا واليابان، في ظل حساسية متزايدة تجاه قراءات الأسعار، خصوصًا بعد قرار Reserve Bank of Australia في وقت سابق من الشهر برفع أسعار الفائدة، ليصبح أول بنك مركزي رئيسي – باستثناء خصوصية الحالة اليابانية – يتجه إلى التشديد بعد دورة التيسير النقدي التي أعقبت جائحة كورونا.
وأكد البنك الأسترالي أن التضخم كان سيظل مرتفعًا وعنيدًا لولا قراره برفع الفائدة، ما عزز التوقعات بأن البنوك المركزية الأخرى قد تضطر إلى تبني نهج أكثر حذرًا تجاه خفض الفائدة.
أداء العقود الآجلة الأوروبية والأميركية
في التعاملات الأوروبية المبكرة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر يورو ستوكس 50 بنسبة 0.35% إلى 5,975 نقطة، فيما انخفضت عقود مؤشر داكس الألماني بنسبة 0.39% إلى 24,774 نقطة، وتراجعت عقود فايننشال تايمز 100 البريطانية بنسبة 0.18% إلى 10,422 نقطة.
أما في الولايات المتحدة، فقد هبطت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.46% إلى 6,819 نقطة، في إشارة إلى حذر المستثمرين قبيل صدور بيانات اقتصادية محورية.
تشمل أبرز التطورات المنتظرة خلال اليوم صدور نتائج أعمال شركات أوروبية بارزة، إلى جانب الإعلان عن القراءة النهائية لمؤشر أسعار المستهلكين في ألمانيا لشهر يناير، واستطلاعات معهد «ZEW» لثقة المستثمرين في ألمانيا ومنطقة اليورو، إضافة إلى بيانات سوق العمل البريطانية.
كما تتابع الأسواق مزادات الدين الحكومي، مع إعادة فتح مزاد سندات لأجل عامين في ألمانيا، وإعادة فتح مزادات لأجل عامين وستة أعوام في المملكة المتحدة، وهي مؤشرات تعكس اتجاهات الطلب على أدوات الدخل الثابت في بيئة نقدية متقلبة.
في المجمل، تتحرك الأسواق العالمية في مساحة ضيقة بين هدوء السيولة الفنية وصخب التطورات الدبلوماسية، حيث يشكل مسار المحادثات النووية مع إيران عاملًا جيوسياسيًا مؤثرًا، بينما تبقى بيانات التضخم والنمو المحدد الرئيسي لاتجاهات السياسة النقدية.
وتبقى معادلة المخاطر الجيوسياسية والتشديد النقدي العامل الحاسم في رسم ملامح التداولات خلال الأيام المقبلة، في وقت يوازن فيه المستثمرون بين احتمالات التهدئة السياسية ومخاطر تباطؤ اقتصادي عالمي محتمل.