رغم حالة الارتباك التي تهيمن على المشهد العالمي منذ مطلع عام 2026، بفعل التدفقات الإخبارية المتسارعة، والتحولات الجيوسياسية، والتقلبات الحادة في أسواق المال، تشير مجموعة متزايدة من المؤشرات الكلية والقطاعية إلى حقيقة أساسية بات من الصعب تجاهلها: الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة تسارع دوري قوي في النمو.
فقد انشغل المستثمرون خلال الأسابيع الأولى من العام بقضايا متشابكة، شملت مستقبل الدولار، واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتقلبات أسواق المعادن، وتوترات حلف شمال الأطلسي، والانتخابات اليابانية، فضلًا عن التراجعات العنيفة في أسهم شركات البرمجيات. غير أن هذا المشهد الصاخب أخفى، وفق محللين، اتجاهًا اقتصاديًا أعمق وأكثر رسوخًا.
إشارات متزامنة تعزز فرضية الانتعاش الدوري
يرى أندرو شيتس، كبير استراتيجيي الأسواق في مورغان ستانلي، أن تعدد الإشارات المتداخلة والمتزامنة يجعل من الصعب تفسيرها كظواهر مؤقتة أو استثنائية، واصفًا ما يحدث حاليًا بأنه «اندفاعة دورية قوية في الاقتصاد العالمي تستحق التقدير والمتابعة الجادة».
ويبرز في مقدمة هذه الإشارات الارتفاع الحاد في أسعار النحاس، الذي يُعد مقياسًا تقليديًا للنشاط الصناعي والتكنولوجي، إذ قفزت أسعاره بنحو 40% خلال ستة أشهر.
ورغم ارتباط هذا الصعود جزئيًا بالمضاربات في أسواق المعادن واختناقات المعروض، فإنه يتسق مع مجموعة أوسع من المؤشرات الداعمة للنمو.
كما سجلت أسهم كوريا الجنوبية، المعروفة بحساسيتها المرتفعة للتجارة العالمية والدورات الاقتصادية، ارتفاعًا وصل إلى نحو 68% خلال الفترة نفسها. وفي السياق ذاته، تفوقت الأسهم المالية على نظيراتها في المؤشرات العالمية بأكثر من الضعف، بينما بدأت أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة في استعادة زخمها بقوة.
تحول متزامن في السياسات الاقتصادية الكبرى
يترافق هذا التحسن الدوري مع تغيرات جوهرية في السياسات الاقتصادية العالمية. فبحسب مورغان ستانلي، تشهد السياسات المالية والنقدية والتنظيمية اتجاهًا متزامنًا نحو التيسير عبر الاقتصادات الكبرى، وهو عامل نادر الحدوث تاريخيًا بهذه الدرجة من التزامن.
في الولايات المتحدة، يُتوقع أن يبدأ الأثر الاقتصادي لمشروع الرئيس دونالد ترامب المعروف باسم «القانون الكبير والجميل» في الظهور خلال العام الجاري. وفي أوروبا، بدأت خطة الإنفاق المالي الألمانية الضخمة، التي تقترب من تريليون يورو، تنعكس على الطلبيات الصناعية. أما في اليابان، فقد منحت الانتخابات الأخيرة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي تفويضًا سياسيًا واسعًا لدفع برامج إنفاق حكومي كبيرة.
وعلى الصعيد النقدي، لا تزال الأسواق تسعّر خفضين إضافيين على الأقل في أسعار الفائدة الأمريكية خلال 2026، مع توقعات مماثلة في بريطانيا، ما يعزز البيئة الداعمة للنشاط والاستثمار.
الذكاء الاصطناعي كمحرك إنفاق رأسمالي غير مسبوق
إلى جانب ذلك، يشكل الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات الدورة الاقتصادية الحالية. إذ يُتوقع أن يصل إنفاق أكبر أربع شركات تكنولوجية أمريكية عملاقة إلى ما يقرب من 650 مليار دولار هذا العام، فيما تشير التقديرات إلى أن إجمالي إنفاق عمالقة التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي لن يقل عن 630 مليار دولار، وهو مستوى غير مسبوق تاريخيًا، من شأنه تحفيز سلاسل التوريد والاستثمار عبر قطاعات متعددة.
من جانبه، يؤكد مانيش كابرا، استراتيجي الأسواق في سوسيتيه جنرال، أن الأسواق تشهد «أقوى اتساع في نطاق الأداء منذ خمس سنوات»، مع انتقال الزخم من أسهم التكنولوجيا القيادية إلى قطاعات وأسهم دورية أوسع.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، ارتفع مؤشر S&P 500 متساوي الأوزان بنحو 8%، متجاوزًا بأكثر من الضعف مكاسب المؤشر التقليدي، في دلالة على تحسن شامل في أداء السوق. كما تفوقت الأسهم الأمريكية الصغيرة، ممثلة في مؤشري راسل 2000 وS&P 600، على مؤشر ناسداك 100 بنحو 13% خلال ستة أشهر.
ويمتد هذا التحول إلى خارج الولايات المتحدة، إذ سجلت الأسهم الأوروبية وأسهم هونغ كونغ مكاسب في 2026 تجاوزت ضعفي مكاسب مؤشر S&P 500 المقومة بالدولار، بينما ارتفعت مؤشرات الأسواق الناشئة بنحو 10%، متفوقة على المؤشرات الأمريكية بخمسة أضعاف.
تعزز هذه الصورة بيانات مرتفعة التواتر صدرت مؤخرًا، حيث أشار بنك جيه بي مورغان إلى أن مسوح مديري المشتريات لشهر يناير في الولايات المتحدة ومختلف الاقتصادات الكبرى أظهرت توسعًا في النشاط عبر جميع القطاعات والمناطق، بما يتماشى مع معدل نمو سنوي عالمي يناهز 3% خلال الربع الجاري.
ورغم وضوح إشارات التسارع الاقتصادي، لا تخلو الصورة من تساؤلات جوهرية. إذ يبرز تساؤل حول ضعف نمو الوظائف مقارنة بزخم النشاط، واحتمال تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف، فضلًا عن التساؤل بشأن مبررات التيسير النقدي في ظل استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة. كما يحذر بعض المحللين من أن استمرار الأوضاع المالية الميسرة قد يفضي لاحقًا إلى اضطرابات في أسواق السندات.
في المحصلة، تكشف المؤشرات المتراكمة عن مرحلة سخونة اقتصادية عالمية تتشكل تحت سطح من التقلبات والضبابية. ويبقى السؤال المحوري معلقًا: هل يمثل هذا التسارع بداية دورة نمو مستدامة، أم مجرد مرحلة تمهيدية قد يعقبها اختبار أكثر قسوة للأسواق والاقتصاد العالمي؟