إلغاء الدوري.. القرار حائر بين مطرقة المنتخب وسندان الأندية

كرة القدم المصرية بين الطوارئ والتخطيط.. هل حان وقت الحلول الدائمة؟

الدوري المصري

مرة جديدة، يعود شبح إلغاء الدوري المصري إلى الواجهة، وسط نقاشات داخل أروقة اتحاد الكرة، وأصوات ترى أن الموسم الحالي بات عبئًا أكثر منه مسابقة منتظمة.

الفكرة هذه المرة لا ترتبط بأسباب أمنية أو ظروف قهرية، بل بحسابات فنية تتعلق بالمنتخب الوطني، واستعداداته لكأس العالم، مقابل واقع معقد تعيشه الأندية المشاركة في البطولات الأفريقية.

الشرارة جاءت من طلب حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، بضرورة توفير فترة إعداد طويلة ومغلقة قبل السفر إلى الولايات المتحدة، وهو طلب فني مشروع من حيث المبدأ، لكنه يصطدم مباشرة بحقيقة أن إنهاء الدوري سريعًا يبدو شبه مستحيل في ظل ضغط المباريات القارية، وتحديدًا إذا واصلت أندية الأهلي وبيراميدز والزمالك والمصري مشوارها في الأدوار المتقدمة أفريقيًا.

وبين مطرقة المنتخب وسندان الأندية، يطفو سؤال أكبر: ماذا لو أُلغي الدوري؟ ومن يدفع الثمن؟

التأثير الفني.. مسابقة بلا قيمة تنافسية

فنيًا، يُعد إلغاء الدوري ضربة مباشرة لفكرة الاستمرارية والتنافس. اللاعب المحلي يفقد أهم منصة للجاهزية، والمدربون يخسرون معيار التقييم الحقيقي، بينما يتحول الموسم إلى سلسلة مباريات مبتورة بلا معنى تصاعدي.

وعلى مستوى المنتخب نفسه، فإن غياب منافسة محلية منتظمة قد يؤثر سلبًا على جاهزية عدد كبير من اللاعبين، خصوصًا المحليين الذين لا يشاركون بانتظام مع أنديتهم في البطولات القارية.

كما أن تكرار الإلغاء أو العبث بنظام المسابقة يكرّس صورة ذهنية سلبية عن الدوري المصري باعتباره بطولة غير مستقرة، مما ينعكس على ثقة اللاعبين، خاصة المحترفين الأجانب، في الاستمرار داخل منظومة تفتقد الوضوح.

أكثر من مجرد خسارة مباريات

إلغاء الدوري ليس مجرد إلغاء عدد من المباريات المحلية، بل هو ضرب سوق الكرة المصرية في مقتل من حيث القيمة التسويقية، فالمسابقة هي المنتج الرئيسي الذي يُبنى عليه حقوق البث، الرعايات، الإعلانات، والتعاقدات طويلة الأجل.

فأي قرار بالإلغاء يعني عمليًا انخفاض القيمة السوقية للدوري وإعادة تفاوض قسرية مع الرعاة، إلى جانب خسائر مباشرة للمعلنين الذين خططوا لحملاتهم بناءً على جدول واضح.

والأخطر أن تكرار هذا السيناريو يُفقد السوق المصرية جاذبيتهة مقارنة بدوريات إقليمية أكثر استقرارًا، مما يدفع العلامات التجارية الكبرى لإعادة توجيه استثماراتها خارج الكرة المصرية.

المتضرر الأكبر من الكارثة

الأندية الشعبية ستكون في صدارة المتضررين، خاصة من تعتمد ميزانياتها على عوائد البث ومكافآت الترتيب، إلى جانب التذاكر والرعايات المرتبطة بالموسم.

وبالتالي فإن إلغاء الدوري يعني تجميد موارد مالية أساسية، وصعوبة التخطيط للموسم المقبل وعدد من الأزمات المالية الأخرى التي تتعلق بالعقود والرواتب، ناهيك عن فقدان العدالة التنافسية، خاصة لأندية كانت تنافس على لقب أو تسعى للهروب من مراكز متأخرة.

إلى جانب شركات الإعلان، القنوات، المنصات الرقمية، وحتى صناع المحتوى الرياضي، جميعهم يتضررون. فالدوري ليس مجرد مباريات، بل منظومة محتوى يومي تُبنى عليها برامج وتحليلات وحملات إعلانية بملايين الجنيهات، وبالتالي فإن فكرة إلغاء الدوري سيخلق فراغًا إعلاميًا يصعب تعويضه.

من المستفيد؟

هناك أطراف قد ترى مكاسب قصيرة الأجل، أبرزها المنتخب الوطني من حيث توفير فترة إعداد أطول وأكثر تركيزًا، وبعض الأندية المتعثرة التي قد تستفيد من غياب الهبوط أو إعادة ترتيب الأوراق، لكن هذه المكاسب تظل مؤقتة، ولا تعالج أصل الأزمة، بل تؤجلها.

فإلغاء الدوري المصري، حتى لو جاء تحت مظلة الاستعداد لكأس العالم، يفتح بابًا واسعًا من الخسائر الفنية والتسويقية والاقتصادية، ويمس جوهر اللعبة واستقرارها.

وبينما يبدو الحل الأسهل هو الإلغاء، يظل السؤال الأصعب مطروحًا: هل تتحمل الكرة المصرية ثمن هذا القرار مرة أخرى؟ أم أن الوقت حان لإيجاد حلول لا تُدار بمنطق الطوارئ؟