أثارت أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي أطلقتها شركة أنثروبيك الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي موجة بيع واسعة في أسهم شركات البرمجيات ومزودي البيانات، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بقدرة هذه الشركات على الصمود في مواجهة التطور المتسارع لوكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على أداء مهام مؤسسية معقدة.
و زفقا لتقرير نشره موقع CNBC الإخباري، جاءت الضغوط الأخيرة على القطاع بعد أن كشفت أنثروبيك عن أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة طُورت خصيصًا لوكيلها الذكي Claude كلود، بهدف التعامل مع سير العمل الاحترافي الذي تعتمد عليه العديد من شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) وشركات البيانات كمصدر رئيسي للإيرادات. وتشمل هذه الأدوات مجالات مثل البحث القانوني والتقني، وإدارة علاقات العملاء، والتحليلات، ما أثار مخاوف من إمكانية تقويض نماذج الأعمال التقليدية في القطاع.
وتفاعل المستثمرون سريعًا مع هذه التطورات، إذ تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للبرمجيات والخدمات، الذي يضم نحو 140 شركة، بأكثر من 4% في جلسة واحدة، ليمدد خسائره إلى ثماني جلسات متتالية، ويصل إجمالي تراجعه منذ بداية العام إلى نحو 20%.
وكانت أسهم شركات مثل تومسون رويترز وسيلزفورس وليجال زوم من بين الأكثر تضررًا في التداولات الأمريكية هذا الأسبوع، فيما امتدت موجة البيع إلى أسهم شركات تكنولوجيا المعلومات الآسيوية، من بينها تاتا للاستشارات وإنفوسيس.
وعلى الرغم من حدة التقلبات، لا يزال الجدل محتدمًا بين التنفيذيين والمحللين بشأن التأثير طويل الأجل لأدوات الذكاء الاصطناعي على قطاع البرمجيات. فقد قلّل عدد من قادة التكنولوجيا من شأن المخاوف المتداولة في الأسواق، معتبرين أن رد فعل المستثمرين يتسم بالمبالغة.
وقال جنسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، خلال فعالية هذا الأسبوع، إن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيقضي على صناعة البرمجيات هو "أكثر الأفكار غير المنطقية انتشارًا" بحسب وصفه، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي سيعزز أدوات البرمجيات القائمة بدلًا من استبدالها بالكامل.
وشارك رينيه هاس، الرئيس التنفيذي لشركة Arm Holdings، الرأي نفسه، مشيرًا خلال مكالمة لمناقشة النتائج المالية إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات لا يزال في مراحله الأولى، واصفًا المخاوف الأخيرة بأنها "هستيريا مبالغ فيها.
ورغم هذه التصريحات المطمئنة، يرى مراقبون أن القلق تجاه القطاع سبق إطلاق أدوات أنثروبيك الأخيرة. فقد باعت صناديق التحوط أسهم برمجيات على المكشوف بقيمة تقارب 24 مليار دولار منذ بداية العام، في رهان على استمرار الضغوط السعرية وتراجع التقييمات.
وفي خضم هذه الأجواء، أعلنت أنثروبيك عن نموذج ذكاء اصطناعي مُحسّن جديد، بعد أيام فقط من إثارة أدوات كلود الأخيرة مخاوف المستثمرين، ما زاد من حالة الترقب في الأسواق.
وتنقسم آراء المحللين حول ما إذا كانت هذه التطورات تمثل تهديدًا هيكليًا للقطاع أم مجرد ضغط مرحلي. فقد اعتبرت ويدبوش للأوراق المالية أن عمليات البيع تعكس “سيناريو كارثيًا بعيدًا عن الواقع” حسب وصفها، مؤكدة أن الشركات الكبرى لن تتخلى بسهولة عن استثمارات بمليارات الدولارات في بنيتها التحتية البرمجية لصالح حلول ذكاء اصطناعي ناشئة.
في المقابل، حذرت شركات أبحاث أخرى من أن الذكاء الاصطناعي قد يفرض ضغوطًا مستدامة على هوامش الربح والتسعير. وقال محللون إن دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل قد يقلص حصة البرمجيات كخدمة، ما سينعكس على مضاعفات التقييم التي يتداول بها القطاع.
ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن شركات برمجيات بعينها، لا سيما تلك التي تدير أحمال عمل مؤسسية بالغة الأهمية مثل أوراكل وسيرفيس ناو، تتمتع بميزة تنافسية تجعلها أكثر قدرة على التعايش مع الذكاء الاصطناعي بدلًا من أن تكون ضحية له.
وفي هذا السياق، تراهن شركات مثل ألفا سينس، المتخصصة في أبحاث وبيانات السوق، على الدمج العميق للذكاء الاصطناعي داخل منتجاتها. وقال كريس أكيرسون، نائب الرئيس الأول للمنتجات بالشركة، إن “المستقبل سيكون من نصيب المزودين القادرين على الجمع بين الذكاء الاصطناعي المتقدم، والمحتوى الموثوق، والفهم العميق لسياق الصناعة”.
وبينما يستمر الجدل، يبدو أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية، مع تركيز متزايد على الشركات القادرة على إعادة تعريف دورها في عصر الذكاء الاصطناعي بدلًا من مقاومته.