حذّر باحثون في العلوم الاجتماعية من تهديد متنامٍ يواجه أحد أهم أدوات البحث الأكاديمي، بعد أن أثبتت روبوتات دردشة مدعومة بالذكاء الاصطناعي قدرتها على التسلل إلى الاستطلاعات الإلكترونية والتخفي كمشاركين بشريين، بما قد يؤدي إلى إفساد نتائج آلاف الدراسات سنويًا.
وأظهرت تجارب بحثية حديثة أن برامج دردشة متقدمة باتت قادرة على تجاوز معظم آليات التحقق المستخدمة حاليًا في الاستبيانات الإلكترونية، ما دفع باحثين إلى مطالبة الشركات المشغلة لهذه المنصات باتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحد من هذه الظاهرة.
ووفقا لتقرير موقع cnbc منذ مطلع الألفية الثانية، أصبحت الاستطلاعات الإلكترونية أداة محورية في مجالات مثل علم النفس والاقتصاد والعلوم السياسية والبيئية، إذ تتيح للباحثين جمع البيانات من مشاركين يعملون من منازلهم مقابل مكافآت مالية.
ويصف فيليكس تشوبرا، الخبير في الاقتصاد السلوكي بكلية فرانكفورت للتمويل والإدارة، هذه الاستطلاعات بأنها «بنية تحتية أساسية» لأبحاث العلوم الاجتماعية الحديثة.
ومع توسّع هذا النمط البحثي، نشأت صناعة متكاملة لإدارة الاستبيانات والتعامل مع ملايين المشاركين المحتملين. وتشير بيانات أكاديمية إلى أن استخدام الاستطلاعات الإلكترونية في الدراسات المنشورة تضاعف أربع مرات بين عامي 2015 و2024. إلا أن هذا الانتشار الواسع ترافق مع محاولات متزايدة للتحايل، بدءًا من تقديم إجابات عشوائية، وصولًا إلى استخدام برامج آلية تنتحل شخصيات بشرية، ما دفع المنصات إلى تطوير أدوات كشف الاحتيال.
في هذا السياق، عرض شون ويستوود، عالم السياسة في كلية دارتموث بولاية نيو هامبشاير، نموذجًا لروبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي، قادر على اجتياز الاستبيانات الإلكترونية دون أن يُكتشف. واستخدم ويستوود أداة استدلال تعتمد على الذكاء الاصطناعي لبناء البرنامج، ثم اختبره عبر استبيان صُمم خصيصًا لقياس قدراته.
وخلال 6700 اختبار، نجح الروبوت في اجتياز أسئلة «فحص الانتباه» القياسية المصممة لرصد قلة التركيز أو الروبوتات البسيطة بنسبة 99.8%. كما أظهر قدرة على تبنّي «شخصية» افتراضية متماسكة، وتقديم إجابات منطقية تتماشى معها، مع تذكّر إجاباته السابقة لتجنب التناقض.
ولم يكتفِ الروبوت بذلك، بل تجاوز أيضًا الأسئلة الشائعة التي تهدف إلى كشف القدرات الخارقة، مثل طلب الترجمة الفورية إلى لغات أخرى أو اقتباس نصوص قانونية حرفيًا، حيث تعمّد الظهور بمظهر الإنسان العادي الذي لا يمتلك هذه المهارات.
أثار هذا التطور قلقًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية. واعتبر قسطنطين باباس، الباحث في تجربة المستخدم، أن ما يحدث يمثل «أزمة صلاحية علمية»، مشيرًا إلى أن الافتراض التقليدي القائل بأن «الإجابة المتماسكة تعني بالضرورة مشاركًا بشريًا» لم يعد صالحًا.
في المقابل، يرى رايان كينيدي، عالم السياسة في جامعة ولاية أوهايو، أن النتائج تكشف عن ثغرات خطيرة، لكنها لا ترقى بعد إلى أزمة شاملة. ويعتبر أن الذكاء الاصطناعي يمثل جولة جديدة في «سباق تسلح» مستمر بين أدوات الكشف وأساليب التحايل، مشيرًا إلى أن الأتمتة باتت تحل محل محاولات فردية سابقة لانتحال الشخصيات مقابل مكاسب مالية.
ومع تسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتزايد الضغط على الباحثين وشركات الاستبيانات لإعادة النظر في أساليب التحقق، حفاظًا على مصداقية أحد أهم مصادر البيانات في العلوم الاجتماعية المعاصرة.