رغم موجة من العناوين الإيجابية التي أحاطت مؤخرًا بسوق العقارات في الصين، يحذّر مطورون عقاريون من القطاع الخاص ومحللون من أن هذه الإشارات لا تعكس تحسنًا حقيقيًا على أرض الواقع، مؤكدين أن السوق لا تزال غارقة في أزمة تمويل عميقة، إلى جانب استمرار تراجع الأسعار وضعف الطلب.
على المستوى السياسي والتنظيمي، ظهرت خلال الأسابيع الماضية مؤشرات دعم لافتة، إذ دعا مقال نُشر في مجلة تابعة للحزب الشيوعي الصيني إلى اتخاذ «إجراءات سياسية قوية» لدعم القطاع، كما أظهرت تحركات الجهات التنظيمية تخفيفًا واضحًا للقيود المرتبطة بسياسة «الخطوط الحمراء الثلاثة» التي فرضت سقوفًا صارمة على نسب ديون المطورين، وكانت الشرارة الرئيسية لأزمة الديون العقارية التي انفجرت في عام 2021.
منحت السلطات تمديدات تصل إلى خمس سنوات على قروض بعض المشروعات المصنفة كمشروعات مفضلة، إلى جانب خطط حكومية لتوسيع سوق صناديق الاستثمار العقاري (REITs). وفي إشارة أخرى على تحسن المعنويات، طرحت شركتا «يويكسيو بروبرتي» و«تشاينا أوفرسيز غراند أوشنز»، المملوكتان للدولة، سندات باليوان الخارجي (Dim Sum Bonds) في هونغ كونغ.
هذه التطورات ساعدت في رفع أسهم القطاع، حيث صعد مؤشر CSI 300 للعقارات بنحو 5% منذ بداية العام. غير أن هذا التحسن في الأسواق المالية لا ينعكس، بحسب العاملين في قلب الصناعة، على واقع المطورين، خاصة من القطاع الخاص.
تشاؤم داخل القطاع رغم الدعم المعلن
أحد كبار التنفيذيين في شركة تطوير عقاري خاصة مقرها شنغهاي عبّر عن نظرة شديدة القتامة لمستقبل القطاع، مؤكدًا أن فرص بقاء المطورين الخاصين باتت محدودة للغاية. وأوضح أن شركته، التي تخلفت عن سداد ديونها بعد أزمة السيولة، لم تتمكن من الحصول على أي قروض جديدة من البنوك رغم تقديم ضمانات، في ظل استمرار تحفظ المؤسسات المالية.
تشير التوقعات إلى أن المستثمرين يترقبون اجتماعات البرلمان الصيني والمؤتمر الاستشاري السياسي في مارس، إلى جانب اجتماع المكتب السياسي للحزب في أبريل، بحثًا عن حزمة دعم أقوى. إلا أن مسؤولًا تنفيذيًا في شركة عقارية مملوكة للدولة قلل من فرص حدوث تحفيز واسع هذا العام، مشيرًا إلى أن معظم الأدوات التقليدية قد استُخدمت بالفعل خلال السنوات الخمس الماضية، من خفض أسعار الفائدة وتخفيف قيود شراء المنازل، إلى توجيه البنوك لزيادة الإقراض.
ويرى مطورون ومحللون أن إلغاء سياسة «الخطوط الحمراء الثلاثة» جاء إلى حد كبير بشكل رمزي، إذ جرى تخفيفها فعليًا منذ فترة دون أن ينعكس ذلك على سلوك البنوك أو حجم التمويل المتاح.
روبرت سيمنيّاك، الرئيس التنفيذي لشركة «ريال إستيت فورسايت» للأبحاث، يتوقع استمرار نهج «الدعم دون التحفيز»، موضحًا أن الفائدة الحقيقية قد تأتي من توسيع برامج تشتري بموجبها الحكومات المحلية الأراضي والمشروعات غير المباعة وتحويلها إلى إسكان ميسر، وهو ما قد يخفف الضغط عن المطورين.
تظل أزمة الديون وتراكم المشروعات غير المكتملة عبئًا ثقيلًا على ثاني أكبر اقتصاد في العالم، خاصة في ظل تباطؤ النمو واشتداد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة. فقد أدت حالة عدم اليقين الوظيفي والمالي إلى تآكل ثقة المشترين، فيما واصلت أسعار المنازل تراجعها.
وبحسب محللي «يو بي إس»، لا تزال السوق بعيدة عن الاستقرار، في ظل ضعف مبيعات المنازل الجديدة، مؤكدين أن أي تعافٍ حقيقي يتطلب تحسنًا ملموسًا في دخول الأسر. وأظهرت البيانات الرسمية أن أسعار المنازل الجديدة انخفضت بنسبة 2.7% على أساس سنوي في ديسمبر، وهو أسرع تراجع خلال خمسة أشهر.
كما هبط الاستثمار العقاري بنسبة 17.2% خلال عام 2025، فيما تراجعت مبيعات المنازل من حيث المساحة بنسبة 8.7%. وتشير توقعات إلى انخفاض إضافي في أسعار المنازل الجديدة بنحو 3.7% خلال عام 2026، ما يعني استمرار الضغوط على المطورين وقدرتهم على الوفاء بالتزامات الديون.
الأزمة أطاحت بالفعل بشركات عملاقة، أبرزها «تشاينا إيفرغراند» التي دخلت مرحلة التصفية، بينما أنهت «كانتري غاردن» عملية إعادة هيكلة لديونها الخارجية. أما «تشاينا فانكي»، إحدى أكبر شركات التطوير في المدن الكبرى، فقد حصلت مؤخرًا على موافقة الدائنين لتأجيل بعض السداد، ما جنبها التعثر مؤقتًا، غير أن محللي الائتمان يرجحون أنها قد تسلك المسار ذاته الذي سلكته شركات أخرى وتلجأ في نهاية المطاف إلى إعادة هيكلة ديونها.
ورغم إشارات الدعم الرسمي وتحسن المزاج في الأسواق المالية، لا يزال واقع سوق العقارات الصيني مثقلًا بتحديات هيكلية عميقة، تجعل الحديث عن تعافٍ وشيك أقرب إلى التفاؤل الحذر منه إلى التحول الحقيقي.