إجبار البنوك المركزية على خفض الفائدة.. عرض مستمر رغم الأضرار

أرشيفية

محاولات تدخل بعض الرؤساء في السياسة النقدية لبلدانهم لا تتوقف، رغم اتفاق الاقتصاديين فضلا عن السوابق التاريخية الدالة على خطورة التدخل في أعمال بنوكهم المركزية التي تبني قراراتها بشأن أسعار الفائدة على البيانات الاقتصادية لا على المطالبات السياسية.

ودأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على مطالبة رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بخفض أسعار الفائدة، وحدث تصعيد خطير مؤخرا عندما تم التحقيق معه بتهمة إهدار المليارات على أعمال إنشائية تخص مبنى البنك.

واعتبر جيروم أن التحقيق معه يستهدف الضغط عليه من أجل الإذعان لمطالبات ترامب، وهو ما استدعى إدانة أمريكية وعالمية، وبنت هذه الإدانات موقفها على أساس أن تهديد استقلالية المركزي الأمريكي سيؤدي إلى تضخم عالمي، لا أمريكي فقط.

ولم يخل التصميم على خفض الفائدة من الوجاهة الاقتصادية، ومن بين الاقتصاديين الذين سألتهم شبكة إيه بي سي اعتبرت غالبيتهم الساحقة أن خفض الفائدة بنسبة كبيرة يهدد بتزايد النشاط الاقتصادي وبارتفاع معدلات التضخم، وخالفهم رأي واحد ذهب إلى أنه سيسهم في إنعاش سوق العمل والحد من التباطؤ الاقتصادي المحتمل.

ويندفع الرؤساء لممارسة الضغوط سعيا لتحسين حظوظهم السياسية وإعادة انتخابهم، استنادا إلى أن الفائدة المنخفضة تحقق مكاسب على الأجل القصير بالنظر لدورها في إتاحة المزيد من فرص العمل، دون الاهتمام بما تجلبه من تضخم مرتفع لاحقا.

كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يرى أن أسعار الفائدة المرتفعة تؤدي إلى رفع أسعار السلع لأن تكاليف الاقتراض المرتفعة تجبر الشركات على رفع أسعار منتجاتها، لكن الارتفاع الشديد في معدلات التضخم جراء اتخاذ بلاده خطوة خفض الفائدة برغم التحذيرات يثبت خطأ هذه الفكرة الاقتصادية غير التقليدية.

أما الفكرة التي تحرك مسعى الرئيس ترامب لخفض أسعار الفائدة فهي اعتقاده بأن التخفيضات ستقلل من تكاليف خدمة الدين الحكومي وتسرع النمو الاقتصادي في ظل سياساته الجمركية وبرنامجه المالي.ارتفاع هيكلي في التضخم العالمي

صدرت تحذيرات من محافظ سابق للبنك المركزي الأوروبي من أن هجمات الرئيس دونالد ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لها تداعيات “خطيرة” على النظام المالي العالمي، بحسب شبكة سي إن بي سي.

وقال جان كلود تريشيه، المحافظ السابق لبنك فرنسا، لبرنامج “سكواك بوكس يوروب” على قناة سي إن بي سي، إن إدارة ترامب تحاول تغيير قواعد اللعبة من خلال قلب الإجماع الراسخ منذ زمن طويل على استقلالية البنوك المركزية، والذي ساد في الاقتصادات المتقدمة لما يقرب من 50 عامًا.

وكشف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أن وزارة العدل قد بدأت تحقيقًا جنائيًا في عملية تجديد مقر البنك المركزي بتكلفة 2.5 مليار دولار، وقال باول إن التحقيق هجوم سياسي ردًا على رفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الخضوع لضغوط ترامب لخفض أسعار الفائدة بشكل أكبر وأسرع.

وأصدر رؤساء البنوك المركزية العالمية - بمن فيهم أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، وكريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي - بيانًا مشتركًا دافعوا فيه عن باول.

وشبّه تريشيه معاملة باول بكيفية وضع السياسة النقدية في بعض الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة، محذراً من أن الوضع خطير للغاية، وقال: “إن وجود بنك الاحتياطي الفيدرالي كخادم مطيع للسلطة التنفيذية ليس ما يُفترض في الدستور الأمريكي، فبنك الاحتياطي الفيدرالي يعتمد على الكونجرس، لا على السلطة التنفيذية”.

وقال محافظ بنك فنلندا، أولي رين، إن استقلالية البنك المركزي حجر الزاوية للاستقرار المالي واستقرار الأسعار، وحذّر من ارتفاع هيكلي في التضخم العالمي إذا ما تضررت مصداقية بنك الاحتياطي الفيدرالي، مُسلطاً الضوء على الأهمية النظامية للولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي.

وأضاف رين لبرنامج “سكواك بوكس يوروب” على قناة سي إن بي سي: “سيكون لذلك بالتأكيد تداعيات عالمية، وبالطبع سيتعين علينا جميعاً، بما في ذلك أوروبا، أن نأخذ ذلك في الحسبان عند اتخاذ قراراتنا لحماية استقرار الأسعار والاستقرار الاقتصادي بشكل عام”.

وأكد تريشيه على أن زيادة الإنفاق يقود إلى تعاظم الهشاشة الاقتصادية والسياسية، حيث يتزايد حذر المستثمرين من تمويل العجز وارتفاع المديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتابع: “ما نلاحظه على مستوى الولايات المتحدة ينطبق، إلى حد كبير، على مستوى الاقتصاد العالمي برمته، نحن في وضعٍ يكون فيه الدين القائم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، العام والخاص، أعلى في الوقت الراهن (مما كان عليه) قبل انهيار بنك ليمان براذرز مباشرةً”.

وقال تريشيه إنه إذا تم إخضاع الاحتياطي الفيدرالي باعتباره الخادم الأكثر طاعة للرئيس، فقد يكون ذلك مدمراً للغاية لاستقرار الاقتصاد العالمي برمته ولتمويله.

وأضاف: “نحن في وضعٍ بالغ الهشاشة للاقتصاد العالمي، وعلينا أن نأخذ ذلك في الحسبان، وهذا أحد أسباب زعزعة استقرار العلاقة بين السلطة التنفيذية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، وهو أمرٌ مثيرٌ للقلق البالغ، بلا شك”.

ومع استمرار انخفاض متوسط آجال استحقاق السندات الحكومية البريطانية والأوروبية، وتراجع رغبة المستثمرين في شراء سندات طويلة الأجل مدتها 30 عامًا، أصبحت تكاليف خدمة الدين أكثر حساسية لقرارات أسعار الفائدة.

وأضافوا أن ذلك قد يؤدي بدوره إلى زيادة الضغط من قِبل الحكومات الشعبوية المستقبلية لخفض أسعار الفائدة، وكتبوا: “رغم أن استقلالية البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا ليست موضع شك حاليًا، إلا أنه لا يمكن اعتبارها أمرًا مفروغًا منه على المدى الطويل”.

اشترك الآن