مراقبون: 2026 عام الحسم لإصلاح الاقتصاد الأوروبي وسط اتساع الفجوة مع أمريكا والصين

اتفاق تمويل أوكرانيا

2026 عام الحسم لإصلاح الاقتصاد الأوروبي وسط اتساع الفجوة مع أميركا والصين

يواجه الاتحاد الأوروبي عام 2026 باعتباره عامًا مفصليًا قد يحدد مستقبل قدرته التنافسية عالميًا، في ظل تباطؤ تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية وتأخر ترجمة الخطط الطموحة إلى خطوات عملية، رغم تصاعد الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية وتراجع أداء الإنتاجية مقارنة بالولايات المتحدة والصين.

ورغم انشغال قادة الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعاتهم في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع، بتداعيات التوترات الدولية المتصاعدة، فإن مراقبين يرون أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار تأجيل الإصلاح الاقتصادي، الذي طال انتظاره داخل التكتل الأوروبي، وفقا لتقرير نشرته وكالة رويترز.

مرّ أكثر من عام على إعلان ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، خريطة طريق شاملة لإصلاح اقتصاد منطقة اليورو، دون تحقيق تقدم ملموس يوازي حجم التحديات. وحذّر دراغي من أن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى تجميد مسار الإصلاح بالكامل، ما يكرس اتساع الفجوة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي من جهة، والولايات المتحدة والصين من جهة أخرى.

وتقترح الخطة ضخ استثمارات سنوية بنحو 800 مليار يورو على مدى عدة سنوات، لتعزيز الابتكار، ورفع القدرة التنافسية، ودعم الأمن الاقتصادي. وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن خفض الحواجز الداخلية داخل الاتحاد إلى مستويات مماثلة للولايات المتحدة قد يرفع إنتاجية الاقتصاد الأوروبي بنحو 7% خلال سبع سنوات.

ورغم ذلك، كشف تقرير صادر عن المجلس الأوروبي لابتكار السياسات في بروكسل أن ما لا يزيد على 10% فقط من توصيات دراغي تم تنفيذها حتى سبتمبر الماضي، في ظل بطء آليات صنع القرار واعتماد مبدأ التوافق داخل الاتحاد.

تحاول المفوضية الأوروبية، بقيادة أورسولا فون دير لاين، الدفع قدمًا بعدد من المبادرات التي تستلهم توصيات دراغي، إلا أن القرار النهائي يظل مرهونًا بإرادة قادة الدول الأعضاء، حيث أبدت بعض الحكومات تحفظات واضحة.

فقد عارضت دول في شرق أوروبا توسيع نطاق التصويت بالأغلبية المؤهلة، في حين أبدت ألمانيا وهولندا رفضًا لتوسيع الاقتراض المشترك. ويؤكد مراقبون أن معارضة زعيم واحد كفيلة بإجهاض أكثر الخطط طموحًا، وهو ما يضفي مزيدًا من الإلحاح على التحرك قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، التي قد تأتي بقيادة سياسية أقل دعمًا للتكامل الأوروبي.

اتفاق تمويل أوكرانيا

يرى خبراء أن اتفاق الاتحاد الأوروبي الأخير بشأن تمويل أوكرانيا يقدم نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه لدفع الإصلاح الاقتصادي الأوسع. فعلى الرغم من فشل الدول الأعضاء في توظيف نحو 200 مليار يورو من الأصول الروسية المجمدة، وافقت 24 دولة على تقديم قرض مشترك بقيمة 90 مليار يورو لدعم كييف خلال العامين المقبلين.

ويبرز هذا الاتفاق مشكلة الإجماع داخل الاتحاد، والتي وصفها دراغي بأنها عامل شلل دائم للعملية الإصلاحية، مقترحًا توسيع نطاق التصويت بالأغلبية المؤهلة، أو السماح للدول الراغبة بالمضي قدمًا في مشاريع مشتركة دون انتظار الإجماع الكامل.

وكانت فون دير لاين قد دعت، في خطاب حالة الاتحاد العام الماضي، إلى “التحرر من قيود الإجماع”، إلا أن أي تغيير جذري في هذا الإطار يتطلب تعديل معاهدات الاتحاد الأوروبي، وهو ما يستلزم موافقة جماعية جديدة.

أعاد اتفاق أوكرانيا كذلك فتح ملف الاقتراض المشترك، الذي كان يعد من المحرمات السياسية داخل الاتحاد. فبعد موافقة الدول الـ27 عام 2020 على اقتراض 800 مليار يورو لتمويل خطة التعافي من جائحة كورونا، التي قُدمت آنذاك كإجراء استثنائي، يشير التمويل الأخير إلى تزايد القبول بفكرة التمويل المشترك لمواجهة التحديات الكبرى.

ويرى محللون أن الاتحاد الأوروبي لا يحتاج إلى تنفيذ جميع توصيات دراغي دفعة واحدة، بل يمكن البدء بالإصلاحات الأقل حساسية سياسيًا، مثل استكمال اتحاد أسواق رأس المال وتبسيط الأطر التنظيمية المتباينة بين الدول الأعضاء.

ورغم إحراز المفوضية الأوروبية تقدمًا في وضع “كتاب قواعد موحد” يشمل قوانين الشركات والإفلاس والعمل والضرائب، لا تزال الشركات تشكو من بطء التنفيذ. كما يهدف مشروع اتحاد الادخار والاستثمار إلى جذب جزء أكبر من مدخرات الأسر الأوروبية، التي تقدر بنحو 35 تريليون يورو، والتي غالبًا ما يتم استثمارها خارج الاتحاد.

سباق مع الزمن قبل ميزانية 2028-2034

تمثل الميزانية الأوروبية طويلة الأجل للفترة 2028–2034 فرصة جديدة لدفع الإصلاح، مع اقتراح حزمة إنفاق تصل إلى تريليوني يورو لتعزيز التنافسية، إلا أن مخاوف من إضعافها بسبب تحفظات دول رئيسية، مثل ألمانيا، لا تزال قائمة.

وفي ظل تراجع الإنتاجية، وضعف الاستثمار، وتآكل النظام التجاري العالمي، إلى جانب التوترات مع روسيا وتراجع موثوقية الشريك الأميركي، يحذر خبراء من أن أوروبا اعتادت التحرك في اللحظة الأخيرة، لكن هامش الوقت المتاح بات أضيق من أي وقت مضى.