بات الشحن البحري في قلب المعركة العالمية ضد تغيّرات المناخ، باعتباره أحد أكبر القطاعات المسببة للانبعاثات الكربونية، ما يضع مصر وموانئها وقناة السويس أمام تحديات وفرص كبيرة في الوقت ذاته.
وفي السوق المحلية، بدأ قطاع الشحن خطوات عملية نحو اعتماد الشحن الأخضر والتخطيط لتحديث الموانئ، إلا أن العديد من العقبات لا تزال قائمة، أبرزها نقص البنية التحتية للوقود البديل مثل الغاز الطبيعي المسال (LNG) والأمونيا والهيدروجين الأخضر، إضافة إلى الحاجة إلى كوادر متخصصة ومدربة، وغياب حوافز مالية وتشريعية واضحة للسفن منخفضة الانبعاثات.
ويؤكد المختصون على ضرورة وضع خطة وطنية شاملة للشحن الأخضر، تشمل تنفيذ مشروعات تجريبية للوقود المستدام، وتدريب الكوادر، وتحديث معايير السلامة، وتقديم حوافز للسفن منخفضة الانبعاثات، لضمان قدرة مصر على أن تصبح لاعبًا إقليميًا رائدًا في هذا القطاع خلال العقد المقبل.
الإعداد والتجهيز
وفي هذا السياق، قال محمد أبو حشيش، مدير فرع الشركة المصرية للتوكيلات الملاحية ببورسعيد والسويس، إن مصر ليست جاهزة بالكامل بعد لخفض الانبعاثات الكربونية، لكنها ليست خارج السباق.
وأضاف أن التحركات الحالية تشير إلى مرحلة الإعداد والتجهيز، وأن العقد المقبل سيحدد ما إذا كانت مصر ستصبح مركزًا إقليميًا للشحن الأخضر، أو ستواجه ضغوطًا تنافسية من موانئ ومسارات بديلة سبقَتها في التنفيذ.
وأوضح أبو حشيش أن الرهان الحقيقي يكمن في سرعة تنفيذ مخططات التحول للشحن منخفض الكربون، وليس في مجرد إعلان النوايا.
كما أشار إلى أن نظام تسعير الكربون العالمي، المتوقع تطبيقه اعتبارًا من 2028، سيؤثر مباشرة على تكاليف الملاحة عبر قناة السويس وعلى شركات الشحن العاملة في مصر.
ولفت إلى أن شركات تأمين مخاطر الحرب في البحر الأحمر خفّضت رسومها من %5 إلى %2، بينما ارتفعت في البحر الأسود، ما قد يؤدي إلى عودة السفن لعبور قناة السويس.
تمويل ضخم
قال مصدر بالهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية، إن المنظمة البحرية الدولية وضعت معايير لتخفيض انبعاثات الشحن البحري بهدف الوصول إلى صفر انبعاثات كربونية بحلول عام 2050.
وأضاف أن مصر بدأت بالفعل في تنفيذ خطوات عملية نحو الشحن الأخضر في الموانئ والسفن المترددة عليها، إلا أن الوصول إلى الشحن الأخضر الكامل يتطلب تمويلًا ضخمًا وبنية تحتية لاستخدام الوقود البديل، بالإضافة إلى تأهيل فني وتشريعات داعمة.
وأشار المصدر إلى أن عضوية مصر في المكتب التنفيذي للمنظمة البحرية، التي حصلت عليها مؤخرًا، تمثل محفزًا لإطلاق خطة عمل وطنية بالشراكة مع المنظمة، عبر برنامج GREENVOYAGE2050 للحد من انبعاثات السفن والموانئ.
أبرز التحديات
من جانبه، يرى القبطان علي عاصم، رئيس قطاع الموانئ بشركة سكاي بورتس المشغلة للمحطة متعددة الأغراض بميناء شرق بورسعيد، أن غياب البنية التحتية للوقود النظيف يمثل أبرز تحديات جاهزية مصر لسباق خفض الانبعاثات الكربونية.
وأوضح أن الموانئ المصرية لا تزال تفتقر لمحطات واسعة النطاق لتزويد السفن بالوقود البديل مثل LNG أو الأمونيا أو الهيدروجين الأخضر، كما أن الحوافز المالية والتنظيمية للسفن منخفضة الانبعاثات لا تزال في مراحل الدراسة ولم تتحول إلى سياسات تنفيذية واضحة.
وأضاف عاصم أن التحول الأخضر يتطلب كوادر مدربة وأنظمة سلامة جديدة ومعايير تشغيل مختلفة، وهو ما يستدعي برامج تدريب واسعة.
لكنه أشار إلى أن العامين القادمين سيشهدان تطورًا ملحوظًا في إنتاج الطاقة المتجددة، عبر مشروعات الرياح والطاقة الشمسية والكهربائية والنووية، ما سيدعم استراتيجية مصر للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، خاصة مع تطبيق الاتحاد الأوروبي لضريبة الكربون اعتبارًا من يناير 2026.
ودعا عاصم إلى اتخاذ خطوات عملية للوصول بصادرات مصر إلى مستويات ضريبة صفر كربون، وتعزيز التعاون مع الجامعات التكنولوجية لإجراء أبحاث حول استغلال تيار قناة السويس لتوليد الطاقة النظيفة، وتوفير الكهرباء للسفن الراسية على الأرصفة بدلًا من الاعتماد على الوقود التقليدي، وحتى تصدير فائض الطاقة لتشغيل مشروعات الموانئ.
كما طالب بدعم الدولة في تسعير الكهرباء للسفن عند رسوها على الأرصفة، مع إنشاء وحدات اقتصادية بالموانئ لدراسة الأسعار، مشيرًا إلى أن محطة سكاي تعد من المحطات التي تحظى باهتمام الاتحاد الأوروبي في مشروعات التحول الأخضر، وأن الشركة تعمل على تطبيق تجربة شرق بورسعيد في ميناء السخنة عبر استغلال البنية التحتية وإنشاء محطة جديدة.
حوافز وخصومات
في ظل تسارع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، يواجه قطاع الشحن البحري تحديًا مزدوجًا: الحاجة إلى تقليل الانبعاثات الكربونية، وضغط البنية التحتية لتلبية متطلبات الشحن المستدام. وتعتبر مصر، بموانئها وقناة السويس، لاعبًا محوريًا في هذا التحول، إذ تجمع بين الموقع الاستراتيجي والفرص الاقتصادية الضخمة، لكنها تواجه تحديات كبيرة في تحقيق جاهزية كاملة للشحن الأخضر.
وقال مصدر بهيئة قناة السويس إن الهيئة أعلنت عن مبادرات “القناة الخضراء” وتدرس تقديم حوافز للسفن التي تستخدم طاقة أنظف، مؤكدًا أن العبور عبر القناة يقلل من استهلاك الوقود والانبعاثات نسبيًا نتيجة قصر طول الرحلة.
وأضاف أن نظام تسعير الكربون العالمي المتوقع تطبيقه اعتبارًا من 2028 سيؤثر على تكاليف الملاحة عبر القناة وعلى شركات الشحن العاملة في المياه المصرية، مشيرًا إلى أن مصر يمكنها استغلال موقعها الاستراتيجي لجذب السفن النظيفة عبر منح حوافز وخصومات، وربط القناة بخدمات لوجستية صديقة للبيئة، والترويج لها كمسار منخفض الانبعاثات.
خطة واضحة
وأشار رئيس سابق لقطاع النقل البحري إلى أن مصر بدأت تنفيذ خطوات عملية تعكس أهمية التحول نحو الشحن الأخضر، من أبرزها التعاون مع المنظمة البحرية الدولية عبر برنامج GREENVOYAGE2050، وإعداد خطة عمل وطنية لتقليل الانبعاثات، مع التركيز على زيادة حصة الطاقة المتجددة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بأسعار تنافسية مستقبلًا.
من جانبه، طالب الدكتور تامر أنور، استشاري اللوجستيات بكلية النقل الدولي، بوضع خطة وطنية واضحة تشمل جدولًا زمنيًا وتكلفة مالية محددة، مع استهداف محطات نموذجية في ميناءي الإسكندرية والعين السخنة لتصبح جاهزة لاستخدام الوقود النظيف خلال 3 سنوات.
وأضاف أن الخطة يجب أن تتضمن تقديم حوافز مالية وتنظيمية للسفن منخفضة الانبعاثات، وإقامة مشروعات تجريبية للهيدروجين الأخضر بالشراكة مع مطورين دوليين، وتدريب الكوادر الفنية، بالإضافة إلى تحديث معايير السلامة والتداول في الموانئ.
وأكد أن نجاح مصر في إقامة المشروعات التجريبية، واستقطاب الاستثمارات في مجال الوقود الأخضر، وتقديم الحوافز للسفن العابرة للقناة، يمكن أن يجعلها لاعبًا إقليميًا رائدًا في الشحن الأخضر خلال السنوات المقبلة.
◗ مسؤول بـ«السلامة البحرية» لـ«المال»: التحول الكامل لـ «الشحن الأخضر» يحتاج تمويلًا ضخمًا وبنية تحتية متطورة
◗ عاصم: توفير الخدمات اللوجستية وتقديم حوافز للسفن منخفضة الكربون عوامل حاسمة لنجاح التحول