أكد الدكتور إيهاب خضر، خبير الإدارة الاستراتيجية ووسيط التأمين، أن قطاع التأمين العالمي يشهد تحولًا جذريًا تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بعدما انتقلت هذه التكنولوجيا من كونها فكرة نظرية في منتصف القرن الماضي إلى أداة عملية تعيد صياغة نماذج العمل، وتغير أسس الاكتتاب وتسعير المخاطر وخدمة العملاء.
وأوضح خضر أن هذه الرحلة العالمية تمثل فرصة واعدة للسوق المصرية، شريطة فهم طبيعة هذه التقنيات وتطويعها بما يتناسب مع أولويات السوق المحلية وتحدياتها الخاصة.
3 مراحل صنعت الثورة التكنولوجية في التأمين
وأشار خضر إلى أن علاقة الذكاء الاصطناعي بقطاع التأمين مرت بثلاث مراحل رئيسية، بدأت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مع الأنظمة القائمة على القواعد الثابتة، التي أبقت القطاع معتمدًا على العمليات اليدوية والجداول الاكتوارية التقليدية.
وأضاف أن المرحلة الثانية انطلقت مع تطور تقنيات التعلم الآلي وزيادة القدرات الحوسبية، ما أتاح تحليل كميات ضخمة من البيانات ونمذجة أنماط أكثر تعقيدًا، وصولًا إلى ابتكار الشبكات التنافسية التوليدية عام 2014، التي مكّنت الشركات من محاكاة سيناريوهات مخاطر نادرة.
أما المرحلة الثالثة، بحسب خضر، فجاءت مع ثورة نماذج "المحوّلات" والذكاء الاصطناعي التوليدي، التي غيّرت طريقة تفاعل الشركات مع العملاء من خلال مساعدين افتراضيين وخدمات مخصصة تعمل على مدار الساعة.
تسعير ديناميكي ومطالبات تُحسم في ثوانٍ
ولفت خضر إلى أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا عميقًا في عمليات الاكتتاب وتقييم المخاطر، حيث انتقلت الصناعة من الاعتماد على البيانات التاريخية المجمعة إلى تحليل البيانات السلوكية الفردية في الوقت الفعلي، ما أتاح نماذج تسعير أكثر دقة وعدالة.
وفي مجال المطالبات، أشار إلى تجارب عالمية رائدة، من بينها شركة “ليمونيد” الأمريكية، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعالجة نسبة كبيرة من مطالباتها آليًا خلال ثوانٍ، مع تحسين كفاءة كشف الاحتيال وتقليل الخسائر المالية.
منتجات جديدة لم تكن ممكنة من قبل
وأوضح خضر أن التطور التكنولوجي فتح الباب أمام منتجات تأمينية مبتكرة، مثل التأمين عند الطلب، والتأمين القائم على الاستخدام، إلى جانب منتجات متخصصة لتغطية مخاطر المناخ والأمن السيبراني، وهي مجالات تشهد نموًا متسارعًا على المستوى العالمي.
السوق المصرية بين النمو والتحدي
وحول الواقع المحلي، أشار خضر إلى وجود تباين واضح في أداء فروع التأمين بالسوق المصرية، حيث تقود تأمينات الأشخاص النمو، مقابل تراجع نسبي في تأمينات الممتلكات والمسؤوليات، معتبرًا أن هذا التباين يمثل فرصة حقيقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير منتجات جديدة تعيد الحيوية إلى القطاعات المتراجعة.
كما نوّه إلى أن 83% من الشركات العاملة بالسوق تخطط لزيادة استثماراتها في التحول الرقمي خلال الفترة المقبلة، في مؤشر على تنامي الوعي بأهمية التكنولوجيا في تطوير الأداء التنافسي.
خارطة طريق للاستفادة من الذكاء الاصطناعي
وحدد خضر عدة مسارات يمكن أن يتبناها قطاع التأمين المصري، من بينها استخدام تحليلات البيانات في تصميم منتجات مخصصة، وأتمتة عمليات الاكتتاب والمطالبات البسيطة لخفض التكاليف، وتعزيز أنظمة كشف الاحتيال، فضلًا عن تحسين تجربة العملاء عبر روبوتات الدردشة والوكلاء الرقميين.
فرص استراتيجية فريدة لمصر
وأكد خضر أن مصر تمتلك فرصًا خاصة تؤهلها للريادة، لا سيما في مجالات التأمين الزراعي وإدارة مخاطر التغيرات المناخية، من خلال استخدام البيانات المناخية وصور الأقمار الصناعية لتطوير تأمينات بارامترية ذكية، إلى جانب الاستفادة من الطفرة الإنشائية والمشروعات القومية في بناء نماذج تأمين أكثر دقة.
التحديات… والذكاء الاصطناعي المسؤول
وحذّر خضر من مخاطر التحيز الخوارزمي وضعف الشفافية، مؤكدًا أن نجاح التحول الرقمي يتطلب الاستثمار في جودة البيانات، وتأهيل الكوادر البشرية، والالتزام بمبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية وشركات التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي وسيلة لا غاية
واختتم الدكتور إيهاب خضر بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق تأمين أكثر كفاءة وعدالة وشمولًا، مشددًا على أن مصر أمام فرصة تاريخية لتكون شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبل هذه التكنولوجيا، وليس مجرد مستهلك لها.