في حلقة على «القاهرة والناس».. «حسن هيكل» يكشف تفاصيل مقترح «المقايضة الكبرى» لحل أزمة الدين العام في مصـر

مصر في حالة اقتصادية هي الأفضل خلال آخر 15 عامًا

حلقة القاهرة والناس

في حلقة استثنائية ساخنة، استضافت قناة «القاهرة والناس»، أمس الأول الأحد، نقاشًا اقتصاديًا من نوع خاص عن «مبادلة الديون» مع رجل الأعمال والمصرفي البارز حسن هيكل، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «كازيون» للتجزئة، والذي حاوره حازم شريف، رئيس تحرير جريدة «المال» ومقدم بودكاست «CEO LEVEL».

وناقشت الحلقة واحدة من أبرز الأفكار الجريئة التي طرحت مؤخرًا على الساحة المصرية وأثارت ضجة وجدلًا في الأوساط الاقتصادية خلال الفترة الماضية، والمعروفة إعلاميًا باسم «المقايضة الكبرى» والتي كشف «هيكل» عن تفاصيلها كاملة وما شابها من تعديلا، وبشكل حصري لأول مرة.

واستعرض هيكل، تفاصيل مقترحه لإعادة هيكلة الدين الداخلي من خلال نقل الأصول ذات العوائد إلى البنك المركزي، وعلى رأسها أو تبدأ بـ«هيئة قناة السويس» في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء وعدم اللجوء إلى الخصخصة أو بيع للأصول، وفى الوقت لا تمس أموال المودعين فى المصارف المصرية.

وتناولت الحلقة أبعاد الأزمة المالية للدين الداخلي في مصر، وكيفية تأثيرها على ميزانية الدولة، وما تفرضه عليها من ضغوط مع عرض حلول مبتكرة تهدف إلى فتح المجال أمام إنعاش الاستثمارات وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.

وإلى نص اللقاء كاملًا بداية من عرض تفاصيل الأزمة مرورًا بالحل المقترح..

● حازم شريف: مساء الخير أعزائي المشاهدين، أرحب بكم جميعاً في هذه الحلقة الاستثنائية التي تستضيفها مشكورة قناة «القاهرة والناس».

ضيفنا اليوم أشهد أنه أحد أهم وأذكى الكوادر المالية والاقتصادية التي برزت في المنطقة العربية خلال الثلاثين سنة الماضية، كما أشهد أنه أحيانًا يطرح أفكارًا جريئة تثير الجدل، وكان آخرها الفكرة التي أطلق عليها إعلاميًا «المقايضة الكبرى».

الفكرة ببساطة تقوم على مبادلة الدين الداخلي، الذي تتحمل الموازنة العامة للدولة أعباءه، بأصول يتم نقل ملكيتها إلى البنك المركزي المصري.

نظرياً، نحن أمام ما يشبه المعجزة، لأن الدين الداخلي والذي يعتبر العدو اللدود للحكومات ووزراء المالية في مصر ستصبح قيمته صفرًا. 

ولكن على أرض الواقع، قوبلت هذه الفكرة بانتقادات قوية وردود أفعال رافضة من شخصيات اقتصادية ومصرفية بارزة، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من شأن آرائها أو تجاهلها.

لن أتحدث أكثر عن فكرة «المقايضة الكبرى» وتداعياتها، لأن صاحب الفكرة نفسه سيكون معنا، وهو بالطبع الأكثر قدرة على شرحها والاستفاضة في تفاصيلها.

هدفنا في حلقة اليوم، أن نكون نقطة بداية لحوار مجتمعي مع أهل الخبرة حول هذه الفكرة، ليس بالضرورة لقبولها أو رفضها، ولكن للخروج بأفضل الحلول لمواجهة أزمة الدين الداخلي، والأهم من ذلك لضمان عدم تكرارها في المستقبل.

معنا اليوم صاحب فكرة «المقايضة الكبرى»، الأستاذ حسن هيكل، الذي تخرج عام 1987 في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، قسم الاقتصاد، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.

بدأ حسن هيكل -مع حفظ الألقاب- حياته المهنية في البنك التجاري الدولي، أكبر بنك تجاري في القطاع الخاص بمصر، ثم التحق بالعمل في «جولدمان ساكس»، أحد أهم بنوك الاستثمار العالمية.

وفي منتصف التسعينيات، كان جزءًا من «فريق الأحلام» الذي أسس أكبر بنك استثمار في المنطقة العربية، (إي إف جي هيرميس)، الذى شغل فيما بعد منصب رئيسه التنفيذي لفترة طويلة.

وآخر أعماله كان تأسيسه لشركة «كازيون» لسلاسل التجزئة، التي يرأس مجلس إدارتها حالياً.

حسن.. مساء الخير.

حسن هيكل: مساء الخير يا حازم، وشكراً جزيلاً على هذه المقدمة الرائعة، وأشكر قناة «القاهرة والناس» على استضافتها لنا.

كما ذكرت، هدف الحلقة اليوم هو أن أشرح للمشاهدين الفكرة بشكل مفصل، وأود أن أستأذن في تقديم عرض توضيحى لمدة تتراوح بين ربع إلى ثلث ساعة، يتضمن بعض التعليقات، ثم نفتح الباب بعد ذلك للأسئلة خاصة التي طرحها أصحاب الخبرة من العيار الثقيل وأيضًا الانتقادات.

● حازم شريف: الميكروفون معك بالطبع، وأنا مثل الجميع متشوق لسماع الفكرة كاملة ومتكاملة، ولكني أستأذنك أن أتدخل في بعض الأحيان للاستيضاح حول بعض النقاط حتى يتمكن الجمهور من فهم الموضوع بشكل أفضل.

حسن هيكل: الصفحة الثانية من العرض التقديمي، تشير إلى أن مصر في واحدة من أفضل الأوضاع الاقتصادية لها خلال آخر 15 عامًا، إذ إن معدلات نمو الاقتصاد القومي عادت لتصل إلى حوالي %5 أو أكثر، والاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي تجاوز الـ50 مليار دولار.

كما أن صافي الأصول الأجنبية في البنوك التجارية مرتفع جداً، وهناك سيولة دولارية متوفرة، بالإضافة إلى استقرار العملة مع تراجع نسبة الدين إلى الدخل القومي.

قطاع السياحة حقق أرقاماً قياسية، كما سجلت تحويلات العاملين بالخارج أيضاً مستويات غير مسبوقة، بالإضافة إلى تطور البنية التحتية، وكل هذا يعطي انطباعاً عاماً حقيقياً بأن الأرقام أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق.

لكن هناك إشكالية كبيرة جداً، وهي أن المواطن لا يرى هذا الواقع بالصورة نفسها، فمن الناحية المالية يشعر بأن أحواله سيئة، فلماذا يحدث ذلك؟

أرى أن السبب يعود إلى 3 عوامل رئيسية، هي: أولاً، ارتفاع معدل التضخم والذي لم يقابله ارتفاع مماثل في الأجور والمعاشات، ثانياً، أن الدولة بسبب الدين العام الداخلي بشكل أساسي، غير قادرة على تقديم حد أدنى معقول من الدعم في مجالات مثل التعليم والصحة والخدمات الأخرى.

ثالثاً، أدى هذا الوضع إلى لجوء المستهلكين أو الأفراد الذين ضاقوا مالياً بسبب التضخم الذي شهدناه، إلى الاقتراض سواء من البنوك أو من شركات الإقراض الاستهلاكي، مما زاد أعباءهم المالية بسبب الفوائد العالية على هذه القروض.

وبالتالي، هذا نتج عنه شعور المواطن بالاختناق، بالرغم من أن المؤشرات الاقتصادية العامة، كما ذكرنا في تحسن وفي وضع أفضل.

 

1 copy
 الصفحة الرابعة من العرض التقديمي

سأتطرق إلى الموضوع الرئيسي ولكن دعني أوضح أن الهدف من هذا العرض والحل الذي اقترحته هو فتح ميزانية الدولة، التي تُعد الشريان الأساسي الذي يغذي المواطن سواء في حد أدنى للأجور، أو الخدمات الصحية والتعليمية، وغيرها.

والسبب وراء فتح الميزانية هو إتاحة الفرصة للإنفاق بطريقة عادلة ومعقولة على المواطن المصري، لتوفير الحد الأدنى من هذه الخدمات.

في هذا العرض نجد تساؤلاً حول ما الذي حدث في مصر خلال آخر 8 أعوام؟

ففي الصفحة الرابعة المشهد خلال هذه السنوات واضح في الجدول المرفق، حيث عرضت الإيرادات الخاصة بالموازنة العامة للدولة من السنة المالية 2019-2018 وحتى التقديرات لعام 2026، وكل هذه الأرقام معلنة.

اعتمدت على عدة مصادر مختلفة، وللعلم قد تظهر بعض الاختلافات الطفيفة في الأرقام بالميزانيات لأنها تقديرية ولم تغلق بعد ولكن الاتجاه العام صحيح.

هذه هي إيرادات الدولة، التي ارتفعت من 941 مليار جنيه في 2019 إلى 2.5 تريليون في 2025، وسأتحدث الآن مباشرة عن الفائض الأوّلي.

ما معنى الفائض الأوّلي؟ هو إجمالي إيرادات الدولة مخصوما منها كل المصروفات باستثناء الفوائد المدينة، مثل الأجور، والصحة، والتعليم، والدعم وغيرها. كل هذا يدفعنا إلى نتيجة أن الدولة خلال السنوات الثماني الماضية حققت فائضاً تشغيلياً يقارب 2.9 تريليون جنيه.

هذا الفائض يأتي بعد خصم الاستثمارات، بمعنى أن الدولة خلال تلك الأعوام حققت فائضاً قبل فوائد الدين بقيمة 2.9 تريليون جنيه، وذلك بعد أن أنفقت 2.3 تريليون جنيه على الاستثمارات.

وهذا ما أود توضيحه، لأن الوعي الجمعي لدينا يظن أن سبب أزمة الحكومة هو الدين بسبب المشروعات، ولكن لو نظرنا إلى أرض الواقع، فسنجد أن هذا غير صحيح رغم أن غالبية الناس ترى أن سبب الأزمة هو الدين نتيجة المشروعات.

وأؤكد أن هذا وصف وليس رأيًا شخصيًا، إذ تشير بيانات وزارة المالية إلى أن الدولة حققت فائضاً تشغيلياً بعد سداد جميع الاستثمارات بقيمة 2.9 تريليون جنيه، إذن فأين تكمن الأزمة؟!

● حازم شريف: أود أن أقول شيئًا هنا من باب الأمانة، وهو أن الموازنة العامة للدولة لا تعبر عن الحقيقة كاملة، نتيجة غياب مبدأ وحدة الموازنة.

حسن هيكل: هذا صحيح بنسبة %100.

يمكننا تشبيه الوضع هنا بأن لدينا سدًا عاليًا، إذ تظهر الأرقام وجود معدلات نمو واحتياطي نقدي كأنه مياه مخزنة خلف هذا السد، ويوجد شريان أساسي تخرج منه عدة تفريعات، وهذا الشريان هو الذي ينفق على المواطن.

هذا الشريان الأساسي يمكننا تشبيهه بمجرى نهر النيل الذي يروي الأرض، وينفق على المواطن في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات المختلفة، ولكنه قد تعرض للانسداد.

هذا الانسداد ناتج عن الدين العام المحلي والفوائد المستحقة عليه، والتي تراكمت لتصل إلى حوالي 8 تريليونات جنيه خلال هذه المدة، وهو ما تسبب في زيادة الدين العام المحلي من حوالي 3 تريليونات جنيه قبل 8 سنوات إلى نحو 13 تريليونًا تقريبًا في الوقت الحالي.

عندما ننظر إلى الدين العام المحلي، نجد أنه هو الذي يطبق الخناق على الدولة وعلى هذا الشريان الأساسي الذي ينفق على المواطن.

● حازم شريف: دعني أوضح هنا أن ما تقصده هو أنه رغم وجود رقمين كبيرين هما الدين الخارجي والداخلي، فإن الخطر الأكبر الذي يؤثر مباشرة على المواطن هو الأخير، خاصة أن أسعار الفائدة عليه مرتفعة جداً، مما يقيد قدرة الحكومة على تقديم أي استثمارات لتحسين حياة المواطنين.

حسن هيكل: بالضبط، ولهذا السبب أؤكد أن الدين المحلي الذي يُثقل كاهل الدولة قد بلغ إجمالى الفائدة المتراكمة عليه نحو 8 تريليونات جنيه، وساهمت في رفع حجم الدين خلال السنوات الأخيرة من حوالي 3 تريليونات إلى نحو 13 تريليونًا متوقعة.

هذا الرقم قد تضخم بشكل ملحوظ وذلك في ظل جهود الدولة لتحقيق فائض تشغيلي، وهو بالمناسبة أمر غير صحي لأنه يحد من قدرتها على الإنفاق على المصروفات الأساسية المهمة للمواطن مثل الصحة والتعليم والدعم.

هذا التضخم في الدين أدى إلى انتفاخ ميزانيات وربحية البنوك التجارية وليس الدين فقط، مدفوعًا بسلاسل متواليات عددية من أسعار الفائدة المرتفعة للغاية.

عندما ننتقل إلى الصفحة الخامسة من العرض التقديمي، وتحديدًا إلى الجانب الأيمن من العرض، نجد أن نسبة الدين العام إلى الدخل القومي تراجعت من حوالي %90 إلى %84 مقارنة بمتوسط نحو %74 في الأسواق الناشئة، ما يشير إلى أن الفجوة ليست كبيرة.

كما أن الفائض الأوّلي مرتفع، ما يعني أن الحكومة وصلت إلى حد التوفير في بعض المصروفات بدافع الانضباط المالي، وهو ما قد يؤثر سلبيًا – في رأيي – على الخدمات التي تقدمها للمواطن. 

والخطر الأكبر يكمن في أن الفائدة المدينة في الربع الأخير، كما أعلنت وزارة المالية، قد بلغت %103 من إجمالي إيراداتها، مقارنة بـ%15 فقط متوسط الأسواق الناشئة.

● حازم شريف: حتى الآن، وضع الدين الداخلي مقبول في جميع المؤشرات باستثناء الأخير.

حسن هيكل: وهذا غير قابل للاستمرار.

وهو ما خلق حالة من الخناق، وفي ظل اضطرار وزارة المالية إلى اللهث وراء سداد الفوائد.

ما أود التأكيد عليه، أن الأرقام من 3 إلى 13 تريليونًا تمثل قيودًا محاسبية على ميزانيات الدولة.

أنا أحقق فائضًا تشغيليًا، ومع ذلك أواجه قيودًا محاسبية من 3 إلى 4 ثم إلى 7 ثم 9 ثم 11 ثم 13 تريليونًا دينًا.

● حازم شريف: هل تريد التأكيد على أنها قيود محاسبية؟!

حسن هيكل: سأرد على ذلك لاحقًا، لكنني أضع علامة استفهام، لأن هذا ليس دينًا ناتجًا عن التشغيل، وإنما هو نتيجة ظرف طارئ واجهته مصر، اضطر فيه البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما ترتب عليه أثر سلبي على أكبر مقترض في مصر، وهي الدولة.

وقد انعكس ذلك على الشريان الأساسي، حيث حدث انسداد كما ذكرت، وعندما نتطرق إلى أحد الحلول المطروحة في الصفحة السابعة وهو برنامج بيع الأصول، والذي أراه حلًا غير مجدٍ قولًا واحدًا والسبب في ذلك أن الفائدة المدينة على الدين تبلغ نحو 250 مليار جنيه شهريًا، أي ما يعادل 3 تريليونات جنيه سنويًا.

ويعادل هذا الرقم نحو 5 مليارات دولار شهريًا، ولذلك السؤال هنا، ما هو برنامج الخصخصة أو برنامج بيع الأصول القادر على توفير 60 مليار دولار، لسداد الفوائد فقط دون أصل الدين؟!

● حازم شريف: هذا غير موجود.

حسن هيكل: وإذا كان موجودًا، فهو ليس بهذه الأرقام على الإطلاق.

والأخطر من ذلك أن تطبيق هذا المسار قد يؤدي إلى أن أجد نفسى بعد خمس سنوات وقد تم بيع معظم الأصول فقط لسداد الفوائد، بينما يظل أصل الدين قائمًا.

 

2 copy
 الصفحة الثامنة من العرض التقديمي

وهناك من يقول إن سعر الفائدة يجب أن ينخفض، وهو ما تناولته في الصفحة الثامنة من العرض، حيث قمت باحتساب نسبة الفائدة على الدين المحلي، وطرحت تساؤلا: ماذا لو انخفضت بنسبة %2 عن الوضع الحالي، أو %4 أو %6؟

هنا تظهر أرقام الفائدة المدينة، ويظهر الوفر الناتج؛ فخفض الفائدة بنسبة %2 على دين يبلغ 13 تريليون جنيه يحقق وفرًا قدره 260 مليارًا، وتتغير الأرقام عند %4 أو %6 وفقًا لذلك، ومع هذا، فإن هذا الإجراء وحده لا يمثل حلًا، حتى مع خفض سعر الفائدة بنسبة %6.

 

3 copy
الصفحة التاسعة من العرض التقديمي

في الصفحة التاسعة، وتحديدًا في الجانب الأيمن، نستعرض أسعار الفائدة التي أعلنها البنك المركزي خلال آخر 18 شهرا، والتي قد تراوحت بين 21 و%28 حيث زادت إلى %28.25 ثم تراجعت اليوم إلى %21.

وفي المقابل، يُظهر الجانب الأيسر من الصفحة معدلات التضخم الشهرية، وليس السنوية.

بعد خفض قيمة العملة الذي حدث قبل نحو 18 شهرًا، بلغ التضخم الشهري في بعض الفترات أكثر قليلًا من %12 وفي فترات أخرى أقل قليلًا من %12.

لكن المتوسط الشهري للتضخم خلال آخر 18 شهرًا بلغ نحو %12 في المقابل لا يزال سعر الفائدة عند مستوى %21.

● حازم شريف: من المعروف أن سعر الفائدة الحقيقي في مصر - أي الفرق بين سعر الفائدة الاسمي ومعدل التضخم - يُعد من الأعلى على مستوى العالم.

حسن هيكل: بالضبط، وبالتالي مقولة إن رفع سعر الفائدة ضرورة لمواجهة التضخم ليست دقيقة ولا مرتبطة به، والسؤال هنا لماذا يضطر البنك المركزي «وفق رأيه» إلى عدم خفض سعر الفائدة بالسرعة المطلوبة؟ خاصة أن التضخم انخفض إلى نحو %12 وكان من الممكن خفض الفائدة من %28 إلى 15 أو 14 أو %16.

ما حدث هو خفض تدريجي وبطيء، من %28.25 وصولًا إلى %21 حاليًا، وحتى في المستقبل إذا تم الخفض إلى 20 أو 19 أو %18 لا يزال هناك تحفظ واضح في استمرار النزول.

وهذا التحفظ له أسباب سأشرحها لاحقًا عند الانتقال إلى الصفحة العاشرة، إذ نجد أن هناك إشكالية متوارثة، بمعنى أن البنك المركزي يشير إلى وجود عجز في الميزان الجاري الدولاري للدولة وبطريقة مبسطة هذا يعني أن البلاد تستورد أكثر مما تُصدر، سواء في السلع أو الخدمات.

وإذا سمينا هذا العجز باسم «الفائض التشغيلي الدولاري» للبلد، فإننا نلاحظ أن الصادرات من السلع والخدمات، مثل السياحة وإيرادات قناة السويس وغيرها، مقابل الواردات من السلع والسلع الوسيطة، بالإضافة إلى الحج والعمرة والخدمات الأخرى، أسفرت خلال آخر 10 أعوام عن عجز تشغيلي بلغ متوسطه بين 10 إلى 20 مليار دولار سنويًا.

البنك المركزي لديه اليوم نحو 50 مليار دولار احتياطي، لكن هناك عجزًا في التشغيل لا يعود سببه إلى البنك نفسه، لكن لأن الاقتصاد القومي المصري ما زال يعاني، حتى خلال الأشهر الثلاثة الماضية، من عجز في الميزان الجاري.

من وجهة نظر «المركزي» أيضًا أن هناك عجزًا في النشاط التشغيلي للدولة لأن الواردات تتجاوز الصادرات، ومن ثم سيضطر للأسف إلى الحفاظ على سعر الفائدة مرتفعًا، كأداة لجذب الاستثمارات ولبناء احتياطي قادر على حماية الاقتصاد.

أما التساؤل حول ما إذا كان يجب خفض الفائدة إلى 21 أو 19 أو %18 فهذا تفصيل، لكنني متفهم أيضا أن يد البنك المركزي ليست مفتوحة، وأن الوضع جاء نتيجة موقف كارثي خاصة قبل صفقة «رأس الحكمة»، إذ كانت الأوضاع شديدة السوء. 

ولذلك، فإن الانتقال من %28.25 إلى أقل من المستويات الحالية يحتاج إلى قلب جريء، لأن أي خطأ في هذه المرحلة قد تكون كلفته مرتفعة للغاية.

4 copy
الصفحة الحادية عشرة من العرض التقديمي

 

في الصفحة الحادية عشرة، يواجه البنك المركزي إشكالية أخرى لم يتم الحديث عنها تقريبًا، وهي ما يتعلق بالسنة المالية 2025/2024 – مع العلم أن الأرقام الحالية أفضل، لكن سأستعرضها لتوضيح الفكرة فقد بلغت الصادرات السلعية نحو 40 مليار دولار، بينما بلغت تحويلات العاملين بالخارج نحو 36 مليار دولار، وإيرادات السياحة نحو 16 مليار دولار، وإيرادات قناة السويس 4 مليارات، ليكون الإجمالي نحو 96 مليار دولار.

تشكل الصادرات السلعية نحو %42 من الإجمالي، بينما تمثل السياحة وقناة السويس معًا نحو %17.3 وهما قطاعان ترتفع فيهما درجة المخاطر والتذبذب، أي أنه – لا قدر الله – قد يحدث ما يؤثر عليهما.

● حازم شريف: من أين يأتي تحديد درجة المخاطر ومصادرها؟

حسن هيكل: دعني أوضح أكثر، العبرة في الارتفاع أو الانخفاض هي حجم الذبذبة، بمعنى أنه هل يمكن أن ينخفض ما كان يحصل عليه البنك المركزي من قطاع السياحة، والبالغ 16 مليار دولار، إلى 8 مليارات؟ نعم، قد يحدث لا قدر الله، أو هل يمكن أن تنخفض إيرادات قناة السويس من 10 أو 12 مليارًا إلى 4 مليارات؟ نعم وهذا ما حدث بالفعل.

أما الصادرات السلعية، التي تعتمد على قدرتك التصديرية في الأسواق العالمية، فقد ترتفع أو تنخفض بنسب تتراوح بين 5 و10 أو %8 لكنها تظل أقل تذبذبًا وأكثر قابلية للتنبؤ.

وهناك إشكالية أخرى، وهي أن تحويلات العاملين أصبحت اليوم تمثل نحو %38 من إجمالي الإيرادات الدولارية، وهنا تكمن مشكلة في عدم اليقين، بمعني أنه لا توجد قاعدة بيانات تحدد إلى أي مدى ستستمر هذه التحويلات أو كم ستستمر بهذه الوتيرة، أنا أرجح أنها ستستمر، لكن لا يمكن الجزم بذلك.

وهذا يعني أن أكثر من %50 من إجمالي إيرادات البنك المركزى الدولارية، إما معرضة لتذبذبات شديدة، أو لعدم يقين يمنع من وضع توقعات دقيقة، وهذا الوضع يجعله مترددًا في اتخاذ قرارات متعلقة بسعر الفائدة.

إذا كانت الـ96 مليار دولار جميعها صادرات سلعية تمثل %100 من الإيرادات، لكان هناك قدرة أعلى على التنبؤ لكن بما أن أكثر من نصف هذا الرقم عرضة لتذبذبات عالية، فالبنك يتحوط في قرار تخفيض سعر الفائدة، حتى لا يفاجأ بمشكلة بعد فترة.

 

6 copy
الصفحة الثانية عشرة من العرض التقديمي

أما في الصفحة الثانية عشرة فإن سعر الفائدة في مصر يعد أداة للحفاظ على الاحتياطي النقدي الأجنبي، وليس فقط أداة لمواجهة التضخم، ولا يقتصر دوره على «Carry Trade».

و«Carry Trade» للتوضيح يعني دخول مستثمرين أجانب، لتحويل الدولار إلى مصر والاستثمار في أذون الخزانة أو أدوات الدين المصرية ذات سعر الفائدة المرتفع في ظروف مختلفة، ثم بيعها مرة أخرى من خلال التوجه لـ«المركزي» والمطالبة بمقابل دولاري للجنيه المصري مع الحصول على العوائد.

الأمر الثالث، الذي يمنع حرية التحرك، هو أن الفائض التشغيلي الدولاري يعاني عجزًا، والواردات أكثر من الصادرات، ما يجعل بناء الاحتياطي ضرورة. 

وبالتالي يجب أن يظل سعر الفائدة على الجنيه أعلى بدرجة كبيرة من سعر الفائدة على الدولار، لأنه إذا تقلص الفارق وحتى لو انخفض التضخم، فقد يلجأ عدد كبير من المودعين إلى تحويل ودائعهم من الجنيه إلى الدولار، وهو ما يخلق طلبًا دولاريًا إضافيًا وهذه اعتبارات إضافية تقيد حرية حركة البنك المركزي. 

ومن الآثار الجانبية لهذا التدرج البطيء في خفض سعر الفائدة، وارتفاعه لفترة طويلة، القفزة الكبيرة في أرباح البنوك خلال العامين أو الثلاثة الأخيرة، إذ ارتفع الفارق بين الفائدة المدينة والدائنة إلى مستويات قياسية، يمكن القول إنها زائدة على الحد وغير صحية.

 

6 copy
الصفحة الثالثة عشرة من العرض التقديمي

وقد استعرضت 3 نماذج، للتوضيح حتي لا يقول لي أحد كما سمعت من قبل في أحد الاجتماعات أن البنوك المصرية «شاطرة»، وهي بنك مصري كبير، والآخر «كريدي أجريكول» بنك أجنبي، والثالث «أبوظبي الإسلامي» بنك خليجي، وقد تناولت حقوق الملكية لهذه البنوك في 2023، وبيانات الربحية في عامي 2024 و2025.

وتبين أن متوسط العائد على حقوق الملكية خلال العامين الأخيرين تجاوز %50 سنويًا، وحتى عند احتساب الأرباح المحتجزة، فإن العائد يدور في نطاق %40 وذلك في مقابل سعر فائدة يتراوح بين 20 و%21 أو كان %28 سابقًا، مما يشير إلى وجود ربحية إضافية في هذا القطاع، وهي ربحية سأحتاج إليها في حل المقايضة الكبرى.

لأن جزءًا من تمويل المقايضة يعود إلى ضرورة إعادة ربحية البنوك إلى معدلات طبيعية، بحيث يكون العائد على حقوق الملكية بين 20 و%24 وليس 35 أو %45.

● حازم شريف: أريد أن نفصل بين أمرين للرد على الانتقادات، هناك فرق بين حل مشكلة الدين الداخلي، وحل مشكلة الاقتصاد المصري، وبالتالي فإذا رغب أحد في انتقاد هذا الاقتراح، يجب أن يكون في إطار الهدف منه وهو حل مشكلة الدين الداخلي ومن ثم إنعاش الاستثمارات الموجهة للخدمات المقدمة للمواطنين.

حسن هيكل: حل هذه المشكلة لا يعني حل الدين الداخلي، بل يعني حل مشكلة المواطن.

ولذلك أوضح أن الخيارات الخاصة بالاستمرار على الوضع الحالي، أو بيع الأصول، أو تخفيض سعر الفائدة، ليست قابلة للاستمرار دون معالجة أصل المشكلة، لأن أصل الدين كان 3 تريليونات، والفائدة المتراكمة على مدى 8 سنوات بلغت 10 تريليونات.

● حازم شريف: حسنًا، دعنا نتطرق إلى الحل، لأن المشاهدين متشوقون لمعرفة ذلك.

حسن هيكل: الحل ببساطة موجود في الصفحة السادسة عشرة، وقد كتبت ذلك منذ عام.

ولكن دعني أسألك أولا: هل يستطيع البنك المركزي استثمار جنيه واحد في سهم؟

● حازم شريف: أظن لا، ليس من اختصاصه.

7 copy
الصفحة السابعة عشرة من العرض التقديمي

حسن هيكل: لننتقل إلى الصفحة السابعة عشرة، حيث توجد الميزانية المعتمدة في الصفحات 38 و39 من ميزانية البنك المركزي حتى يونيو 2025. 

تظهر الميزانيات أن «المركزي» يمتلك 3 مصارف هي: «البنك المتحد»، و«آر.بي إنترناشونال»، و«العربي الأفريقي»، بالإضافة إلى مساهمات في بنوك دولية وحصة في «مصر المقاصة»، وأيضًا حصة في التمويل العقاري.

وقد تدخل «المركزي» في أوقات مختلفة، منذ أن كان البنك المتحد يواجه مشكلات قبل نحو 20 سنة قبل أن يحصل عليه، إلى أن ساهم في تأسيس شركات مرتبطة بتوسيع النشاط المصرفي.

● حازم شريف: قد يرد عليك البعض بأن هذه العمليات محدودة وتاريخية.

حسن هيكل: ردي على ذلك سيكون من خلال مثالين، في عامي 2007 و2008 تدخل الفيدرالي الأمريكي وامتلك شركات للسيارات لإنقاذها، وفي 2011 و2012 تدخل البنك الأوروبي أثناء أزمة اليونان وإسبانيا، وامتلك أصولًا ليست وفق هذا التعريف الضيق، إذن ما الذي يمنع البنك المركزي من وضع استثمارات في أصول أساسية؟

هل يستطيع البنك المركزي المصري استثمار جنيه في أي مشروع؟ برأيي، نعم يمكنه، وهل يستطيع أن يستدين جنيهًا؟ نعم.

المقايضة الكبرى لا علاقة لها بالبنوك التجارية في هذا الشأن، فالمقصود هنا هو أن الدولة تتوجه إلى البنك المركزي، وتبلغه بأنها ستمنحه أحد الأصول، مثل الأسهم، وفي الوقت نفسه ستنقل إليه المديونية المقابلة لقيمة هذا الأصل.

وبهذه الطريقة، فإن عملية المقايضة لا تخلق أعباءً جديدة على الودائع، إذ ليس لها علاقة بها، والأمر الثاني هو أن هذه المقايضة لا تتطلب طباعة نقود.

فإذا أخذت أصلًا قيمته جنيه، ومديونية بالقيمة نفسها، وتم نقل الاثنين معًا إلى البنك المركزي، فهذا يفتح للدولة ميزانياتها على صعيد الفائدة المدينة لاحقًا.

ومن زاوية البنك المركزي، يتعين النظر: هل يصلح هذا الإجراء أم لا؟

الحل ببساطة، افترض جدلًا أن هناك أصلًا مملوكًا للدولة، سأعطي مثالًا وهو هيئة قناة السويس، والمملوكة حاليًا لوزارة المالية.

في هذه الحالة، تقوم الدولة بنقل هيئة قناة السويس إلى البنك المركزي، وتبلغه بأنها مدينة للبنوك بمبلغ معين، على أن يتم تحويل هذا الدين إلى «المركزي» بالقيمة نفسها التي تمثلها الهيئة.

في البداية، لم تكن هيئة قناة السويس حاضرة في ذهني إلى أن طرح أحدهم ذلك، وبالفعل لماذا لا تكون هيئة قناة السويس وهي أصل دولاري وعالي الربحية ويمكن أن يحصل منه البنك المركزي على توزيعات؟

لماذا لا تكون هيئة قناة السويس هي الأصل المستخدم في المقايضة، بدلا من الحديث عن أسهم في البنوك أو شركات التأمين وخلافه؟

في رأيي، تمثل هذه الحالة تطويرًا أفضل لفكرة المقايضة، بدلًا من أن تكون في صورة أسهم موزعة بين بنوك وقطاع عام وشركات تأمين وكهرباء.

من ناحية الشق السياسي، هل هناك فرق؟؟ لا يوجد فرق بين أن تمتلك وزارة المالية هذا الأصل أو البنك المركزي فالعملية ليست بيعًا ولا ورقة مالية، ولا رهنًا.

 

8 copy
الصفحة الثامنة عشرة من العرض التقديمي

في الصفحة الثامنة عشرة، سنتطرق إلى قيمة هيئة قناة السويس، وللعلم ستتم الاستعانة بالجهاز المركزي للمحاسبات، بالإضافة إلى شركة تقييم عالمية، لضمان الشفافية الكاملة في تحديد القيمة.

ذلك بالرغم من أن التقييم يتم بين طرفين تابعين للدولة، وبالتالي فإن أي اختلاف بسيط في التقييم لن يكون ذا أثر كبير.

ولنفترض جدلًا ولغرض التبسيط فقط أن قيمة هيئة قناة السويس تبلغ 200 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 10 تريليونات جنيه.

الهيئة في الظروف الطبيعية تحقق عوائد سنوية تقارب 12 مليار دولار، ولا يمكن القياس على آخر عامين أو 3 لأنه بالمنطق نفسه مثلًا إذا كان لديك فندق يعمل بنسبة إشغال 20 أو %30 لا يمكن تقييمه بناءً على هذه النسبة فقط، بل يجب أخذ المتوسطات بعين الاعتبار.

فإذا افترضنا كمثال، أن قيمة الهيئة تبلغ 200 مليار دولار، ستقول حينها الدولة للبنك المركزي سأمنحك هيئة قناة السويس، في المقابل دينًا داخليًا بقيمة 10 تريليونات جنيه.

أول سؤال قد يطرحه أي شخص من أين سيحصل البنك المركزي على مبلغ 10 تريليونات جنيه التي نُقلت إليه من الدولة؟

سأرد على هذا السؤال بسؤال مماثل: ومن أين كانت ستسدد الدولة؟ الدول في الأساس لا تسدد أصل الدين، وإنما تعمل على تدوير المبالغ.

● حازم شريف: تقوم بعملية الإرجاء وتسدد فقط قيمة الفائدة.

حسن هيكل: البنك المركزي قادر على ذلك لأن الدين بالعملة المحلية، ولأن لديه القدرة على إصدار النقد، بمعني أنه يستطيع طباعة مبلغ الدين على 100 عام مقبلة. 

بمعنى أنه إذا كان الدين 10 تريليونات جنيه فيمكن للبنك المركزي أن يقسط هذا الدين لنفسه، ويطبع ما يعادل %1 سنويًا فقط، أي نحو 100 مليار جنيه سنويًا، لسداد هذا القسط، مع الاستمرار في تدوير الجزء المتبقي.

قد يرد البعض مستنكرا طباعة البنك المركزي لهذا المبلغ البالغ 100 مليار جنيه!!، وسأرد نعم لأنه إذا نظرنا إلى الواقع سنجد أنه يطبع اليوم أضعاف هذا الرقم، بل أضعاف أضعافه.

وبالتالي، فإن ضخ 100 مليار، أو حتى 200 مليار، أو 300 مليار جنيه سنويًا، ليس أزمة إذا قرر البنك المركزي السداد، إذ إن الأصل انتقل من الدولة إلى «المركزي» وسيتم تدويره عند كل موعد استحقاق، مع طباعة أي مبلغ سنوي منخفض نسبيًا مقارنة بما يطبعه حاليًا، وهو أمر لا يؤثر علي التضخم بأي شكل.

● حازم شريف: هل من الممكن ألا يسدد البنك المركزي؟

حسن هيكل: من الممكن فالحكومة الأمريكية تقوم بتدوير الدين، وكذلك الحكومات الأوروبية.

المشكلة في الدين بمصر ليست في حجم الدين المحلي، وإنما في تراكم الفوائد إلى درجة تخنق الموازنة، حتى في حال خفض أسعار الفائدة.

● حازم شريف: هذا يرد على فكرة أموال المودعين، لأن البنك المركزي سيقوم بسداد ما كانت تدفعه وزارة المالية للبنوك نفسه.

حسن هيكل: إذًا من أين سيتم سداد الفوائد؟

عائد قناة السويس بالدولار يدر نحو 12 مليار دولار سنويًا، إذا افترضنا أن قيمة الأصل 200 مليار دولار، أي بعائد %6 ويتوجه هذا العائد إلى البنك المركزي.

وتخفيض سعر الفائدة أحد الحلول الأساسية إذ لابد من خفضها إلى %16 وسيكون هناك فرق سنوي نسبته %10.

في رأيي، يمكن تغطية هذا الفرق سنويًا بسهولة عن طريق رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك التجارية.

هذا الإجراء يعني أن ربحية البنوك المصرية ستنخفض من عائد على حقوق الملكية بنسبة %45 إلى نحو %25.

● حازم شريف: وما الغرض؟

حسن هيكل: الهدف من ذلك هو تعويض البنك المركزي جزئيًا عن الفارق بين الفائدة الدائنة التي يحصل عليها والفائدة المدينة التي يدفعها.

نقطة أخرى، وفقًا للنظرية الاقتصادية، من المفترض أن تنخفض قيمة أي عملة سنويًا بمقدار يساوي فرق التضخم بين البلدين، فإذا كان التضخم في الولايات المتحدة عند مستوى %3 بينما لدينا يتراوح بين 10 و%11 يظهر ربح رأسمالي مرتبط بنسبة %7.

قد يقال إن النسب 6 و16 و3% هذه نقدية بينما نسبة %7 غير نقدية، لأنها ربح رأسمالي وليست عائدًا سنويًا.

● حازم شريف: ولكن هذا ينعكس على الإيرادات التي ستصل إليك بالدولار من قناة السويس.

حسن هيكل: صحيح، وردي هو أنني سأقترح تعديلا على الأرقام التي حددتها، وافترض أنني وزارة المالية، وأنت البنك المركزي.

في هذه الحالة، يمكن لوزارة المالية أن تقول سأمنحك هيئة قناة السويس ليس بقيمة 200 مليار دولار، بل بقيمة 100 مليار دولار فقط، وفي المقابل سينخفض الدين المنقول إلى 5 تريليونات جنيه.

لكن فى المقابل إذا تجاوزت إيرادات قناة السويس، على سبيل المثال حاجز 10 مليارات دولار سنويًا، فستحصل وزارة المالية على نسبة من الزيادة فوق 10 مليارات، تتراوح بين 20 و%30 من الإيرادات الزائدة.

السبب في ذلك أنني في تقديري لتقليل الفارق بين الفائدة الدائنة والمدينة، ضغطت علي نفسي وأعطيت للبنك المركزي أصلًا بقيمة قد تبدو أقل، لكنه يعوض بحصة من الإيرادات المستقبلية لقناة السويس.

قد يقال إن هذا غير كافٍ للبنك المركزي، سأقول لك إن ميزانية الدولة تمتلك أصولًا أخرى، منها 3 بنوك تابعة للقطاع العام.

وإذا قيل إن «المركزي» لا يصح أن يمتلك بنوك القطاع العام، فالرد بسيط أنه بالفعل يمتلك اليوم ثلاثة مصارف، منها «البنك المتحد».

نحن نتحدث عن إجراءات استثنائية في ظرف استثنائي، والهدف النهائي هو حل مشكلة المواطن المصري.

هناك أمر أخير في تلك الصفحة وهو نقل الملكية باستخدام”Long Dollar – Short Egyptian Pound».

● حازم شريف: ماذا يعني ذلك؟

حسن هيكل: هذا يعني أن البنك المركزي يصبح لديه أصل دولاري مقابل التزام بالجنيه المصري وفي هذه الحالة نخلق للبنك المركزي أصلًا دولاريًا على ميزانيته وفي المقابل دين بالعملة المحلية، وإذا ظهرت أي ضغوط سيكون تأثيرها 1 أو %2 سنويًا فقط.

قد يقال إن هذا الحل غير مطبق في دول أخرى ونشعر بالقلق، هذا حقيقي ولكنني لا أعلم هل هناك دولة في العالم تكون فيها الفائدة المدينة بمفردها تلتهم كامل الإيرادات.

قد تكون نسبة الدين إلى الدخل القومي مرتفعة في دول أخرى، لكنني لم أر أي حالة تكون فيها الفائدة المدينة بمفردها أكبر من الإيرادات.

● حازم شريف: إذن نحن أمام حل غير تقليدي لمواجهة وضع غير تقليدي، لكن هناك من سيرى أن هذا الحل يعالج مشكلة المديونية من جهة، ويخلق ضغطًا على الموازنة من جهة أخرى، لأنه يسحب إيرادات قناة السويس من الخزانة العامة ويحولها إلى البنك المركزي، كيف ترد على ذلك؟

حسن هيكل: صحيح، ولكن لأمانة العرض يجب أن نكون صادقين فهيئة قناة السويس لا توزع اليوم 12 مليار دولار على الدولة لذلك عدت وقلت إنني سأخفض قيمة الشراء، بحيث يكون لدى البنك المركزي هامش أمان كافٍ.

وضعت أيضا آلية تقاسم الإيرادات في حال إذا تحسنت الأرقام مستقبلًا.

قد تقول لي كم توزع هيئة قناة السويس اليوم؟ الحقيقة أنني لا أملك أرقامًا دقيقة، ولكن بخلاف أي مخصصات فإن مصاريف تشغيل مرفق بحجم قناة السويس مقارنة بإيراداته فهي منخفضة نسبيًا.

قد تكون هناك مخصصات لمشروعات جديدة أو أغراض أخرى، وهذه المخصصات يمكن إعادة النظر فيها أو تخفيضها أو إعادة توجيهها.

فالإيراد الذي يصل اليوم إلى الحكومة في تقديري ومن دون الجزم برقم قد يكون غير دقيق بين 1.5 و2 مليار دولار سنويًا تقريبًا.

جزء من الحل هو أن ترفع التوزيعات من هيئة قناة السويس، وكذلك البنوك في حال نقل جزء من ملكيتها، لكن حتى لو ارتفعت هذه التوزيعات داخل الموازنة العامة فلن يكون ذلك كافيًا لحل مشكلة دين بقيمة 13 تريليون جنيه.

● حازم شريف: الجوهر ليس فقط في النظر إلى الإيرادات، وإنما في معالجة مشكلة المديونية نفسها.

حسن هيكل: سيقال إن هناك مخاطر مرتبطة بهذا الحل لأنه لم يجرب من قبل، وهذا كلام صحيح.

الحل في رأيي أن نبدأ بنسبة صغيرة %5 من هيئة قناة السويس، أو %10 من البنك الأهلي، أو %20 من بنك مصر، أو مزيج من هذه الأصول ثم نراقب هل هناك آثار جانبية غير مرئية؟ هل واجه البنك المركزي أي مشكلات بعد شهر أو شهرين من التطبيق؟ وبعد التأكد، يمكن استكمال بقية العملية.

الهدف الأساسي هو تقليل عبء الـ13 تريليون جنيه، ليس بالضرورة أن يكون صفريا، ولكن رقمًا يفتح ميزانية الدولة. 

المستهدف هو أن تنخفض الفائدة المدينة من إيرادات الدولة إلى حدود %30 بما في ذلك الدين الأجنبي، أو حتى %40 وهو رقم لا يزال مرتفعًا جدًا لكنه يفتح مساحة مالية للدولة.

 

9 copy
 الصفحة التاسعة عشرة من العرض التقديمي

في الصفحة التاسعة عشرة أتحدث عن نقطتين أساسيين وهما ضرورة تطبيق تأمين طبي شامل لكل المواطنين فورًا وليس بعد سنوات وهذا يخفف عبئًا هائلا عن أصحاب المعاشات وأصحاب الأجور، إذ يزيل عن كاهلهم جزءًا كبيرًا من التكاليف.

أما الشق الثاني فهو تغيير الوجه الحضاري لمصر فعندما تهبط بالطائرة فوق القاهرة نهارًا، لا ترغب في التقاط صورًا للمدينة من الأعلى لأن القاهرة ومدنًا كثيرة تبدو غير جميلة من الأعلى فنفضل التصوير ليلًا.

في هذه الصفحة، أخذنا جزءًا من القاهرة عبر جوجل ماب، وطلبنا تصورًا لإعادة تنظيم الجانب الأيسر من دون هدم المباني قدر الإمكان، ومن دون نقل السكان، مع فتح المساحات غير المستغلة، التابعة لجهات مختلفة وتحويلها إلى حدائق، ومساحات خضراء، ومناطق ترفيه.

تخيل لو حدث ذلك في كل قطعة بمصر، أن يعيش السكان في أماكنهم دون هدم، ولكن مع توحيد الألوان والطلاء، وتخصيص مناطق للمشاة فقط، وإعادة رصف الشوارع، واستغلال أراضي الجهات غير المستغلة والتابعة للنقل والإسكان والسكة الحديد.

● حازم شريف: أنا أتفق معك تمامًا على أن هذا المستوى من المديونية غير قابل للاستدامة وفكرة الإنفاق على الخدمات للمواطنين تظل عنصرًا أساسيًا وفكرة عظيمة.

حسن هيكل: التغيير الحضاري يؤثر مباشرة على الحياة اليومية لكل فرد، على جودة السكن، ونقل الناس من مساكن غير لائقة إلى أخرى مناسبة للقرن الحادي والعشرين.

وبعد مرور 10 سنوات مليئة بالأزمات والتحديات، ينبغي أن تستطيع الدولة أن تقول للمواطن اليوم سيكون لديك تأمين طبي شامل لك، ولزوجتك، ولأبنائك، وستعيش في مسكن لائق ينتمي إلى هذا العصر.

● حازم شريف: كل ذلك يرتبط ارتباطًا مباشرًا بفتح ميزانية الدولة، بخفض الدين الداخلي إلى أقل مستوى ممكن. 

10 copy
الصفحة الثالثة والعشرون من العرض التقديمي

حسن هيكل: في الصفحة 23، ملخص المقترح يتمثل في عدة نقاط أساسية وهي خفض أسعار الفائدة خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة إلى حوالي %16.

تنفيذ «المقايضة الكبرى» مع البنك المركزي، بحد أدنى 5 تريليونات جنيه، مقابل أصول يوافق عليها البنك ووزارة المالية.

وفي جميع الأحوال، ما يجري الحديث عنه ليس بيعًا للأصول، وليس خصخصة. 

من وجهة نظري، ينبغي كذلك خلال العامين المقبلين تأجيل بعض المشروعات التي تحتوي على مكون أجنبي، حتى لا نضيف مزيدًا من الضغوط، باستثناء المشروعات الموجهة للتصدير أو المرتبطة بالواردات.

وفي الوقت ذاته، لا بد من إعادة هيكل إيرادتنا الدولاية بالاستثمار في التصدير السلعي، حتى يتمكن البنك المركزي في نهاية العام من القول إن 60 أو 70% من إيراداته أصبحت دولارية بذبذبة منخفضة.

● حازم شريف: بالنسبة للحل المطروح، فهو في حد ذاته حل أوّليّ، وليس جذريًا نهائيًا.

حسن هيكل: هذا المسار يتطلب كما ذكرت في مقدمة الحلقة، حوارًا حقيقيًا حول طبيعة الحلول الممكنة. 

نحن وصلنا إلى مرحلة أصبح فيه الدين الداخلي الذي أصله هو فائدة وليس تشغيلًا، فى مستوى لا يمكن التعايش معه، ويجب إيجاد حل محدد وعلى الأطراف الأخرى اقتراح حلول إضافية بدل الاكتفاء بالكلام العام.

● حازم شريف: في نهاية هذا اللقاء، أتقدم بالشكر إلى المصرفي ورجل الأعمال حسن هيكل على وقته وعلى الجهد الذي بذله، وهو جهد مشكور وثمين ويستحق بالفعل أن يناقش.

كما أشكركم أعزائي المشاهدين، وكما قلنا في بداية هذه الحلقة، فإن هذا اللقاء لا يمثل سوى نقطة البداية في حوار مجتمعي نراه ضروريًا، سواء من جانبنا، أو من جانب المصرفي ورجل الأعمال حسن هيكل، أو من جانب قناة «القاهرة والناس».

هذا حوار نرى أنه لا بد أن يُستكمل وأن يُناقش مع خبراء أكثر اتساعًا، ويمثلون أطرافًا مختلفة، حتى نصل في النهاية إلى أفضل حل ممكن لأزمة الدين الداخلي في مصر، وإلى لقاء آخر إن شاء الله، في حلقة قادمة.

مصر في حالة اقتصادية هي الأفضل خلال آخر 15 عامًا 

المواطن لا يشعر بالتحسن لأن وضعه «سيئ» ماليًا

ارتفاع التضخم وغياب القدرة على تقديم حد أدني من الدعم أثقل كاهل شرائح واسعة رغم تحسن المؤشرات

فتح الميزانية للإنفاق على الخدمات الرئيسية أساس لحل الأزمة 

الدَين لم ينشأ بسبب المشروعات كما يشاع

الإيرادات ارتفعت من 941 مليار جنيه إلى 2.5 تريليون

الفائض الأوّلي وصل إلى 2.9 تريليون جنيه مقابل استثمارات 2.3 تريليون

الفائدة على الدين الأجنبي بلغت تريليونًا.. و8.1 تريليون على «المحلي» 

نسبة «المدينة» ارتفعت إلى %103 وهو مؤشر خطر غير قابل للاستمرار 

الظروف الطارئة أجبرت «المركزي» على رفع الفائدة 

برنامج بيع الأصول غير مجدٍ مع فائدة شهرية 250 مليار جنيه 

لدينا إشكالية متوارثة والاقتصاد المصري يواجه عجزًا في الميزان الجاري الدولاري بسبب زيادة الاستيراد

ما يتجاوز %50 من مصادر العملة الصعبة للبلاد تواجه مخاطر

البنوك تحقق عائدًا على حقوق الملكية تخطى %50 سنويًا

أقترح نقل أصول هيئة قناة السويس إلى «المركزي» وتقييم السعر من شركة عالمية 

ويمكن تخفيض التقييم شريطة مشاركة الأرباح عند تجاوز الإيرادات 10 مليارات

سياسات «المركزي» ترتب عليها أثر جانبي على المواطن 

رفع الاحتياطي الإلزامي على البنوك سيجعل أرباحها طبيعية

تغيير الوجه الحضاري لمصر ضرورة