تصعيد غير مسبوق بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي مع تهديد بملاحقة جنائية لباول

استقلال الفيدرالي في مهب الريح

جيروم باول

صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومها على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ملوّحة بإمكانية توجيه اتهام جنائي إلى رئيسه جيروم باول، على خلفية شهادته أمام الكونجرس بشأن مشروع تجديد مقرات البنك المركزي في واشنطن، في خطوة اعتبرها باول “ذريعة سياسية” تهدف إلى ممارسة ضغوط مباشرة لخفض أسعار الفائدة.

استقلال الفيدرالي في مهب الريح

ويأتي هذا التطور ضمن مساعٍ ممتدة من ترامب لتعزيز نفوذه على السياسة النقدية الأمريكية، وسط خلاف حاد حول مستويات أسعار الفائدة، التي يطالب الرئيس الأمريكي بخفضها بشكل حاد لدعم النمو الاقتصادي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وفقا لوكالة رويترز.

وحذّر مراقبون من أن هذه الخطوة تمثل تهديدًا مباشرًا لـ استقلال الاحتياطي الفيدرالي، الذي يُعد حجر الزاوية في السياسة الاقتصادية الأمريكية وأحد أعمدة الاستقرار المالي العالمي.

وأثار التهديد بملاحقة باول ردود فعل سياسية لافتة، إذ أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو لجنة الشؤون المصرفية بمجلس الشيوخ، أن هذه الخطوة تضع نزاهة واستقلالية وزارة العدل الأمريكية موضع شك، مؤكدًا عزمه رفض أي ترشيحات يقدمها ترامب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك اختيار خليفة باول، إلى حين حسم هذه القضية قانونيًا.

رد فعل حذر من الأسواق

وانعكس التصعيد سريعًا على الأسواق المالية، حيث تراجع الدولار الأمريكي بأكبر وتيرة في ثلاثة أسابيع، فيما قفزت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي جديد، وتراجعت عقود الأسهم الأمريكية الآجلة، مع قيام المستثمرين بإعادة تسعير احتمالات خفض أسعار الفائدة على المدى القصير.

وقال كارل شاموتا، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة Corpay، إن ما جرى “يمثل تصعيدًا دراماتيكيًا في محاولة الإدارة تقويض استقلال الفيدرالي، وقد يطلق سلسلة من التداعيات غير المقصودة التي تتعارض مع أهداف ترامب المعلنة”.

وكشف باول أن وزارة العدل الأمريكية وجهت الأسبوع الماضي مذكرات استدعاء قضائية إلى الاحتياطي الفيدرالي، تتعلق بتصريحات أدلى بها أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ خلال يونيو الماضي، بشأن تجاوزات في تكلفة مشروع تجديد مقرات البنك المركزي، الذي تبلغ كلفته نحو 2.5 مليار دولار.

وأكد باول احترامه الكامل لسيادة القانون، مشددًا على أنه “لا أحد فوق القانون”، لكنه وصف الخطوة بأنها غير مسبوقة، وتندرج في إطار ضغوط سياسية مستمرة لانتزاع نفوذ أكبر على قرارات الفائدة.

وأضاف: “هذا التهديد لا يتعلق بشهادتي أو بمشروع التجديد، بل هو نتيجة مباشرة لتمسك الاحتياطي الفيدرالي بتحديد أسعار الفائدة وفق ما يخدم المصلحة العامة، وليس وفق تفضيلات الرئيس”.

من جانبه، قال ترامب في تصريحات لشبكة NBC News إنه لا علم له بتحركات وزارة العدل في هذا الملف، لكنه انتقد أداء باول قائلًا: “إنه ليس جيدًا في إدارة الفيدرالي، ولا في إدارة مشروعات البناء”.

في المقابل، امتنعت وزارة العدل عن التعليق على تفاصيل القضية، مؤكدة أن المدعي العام وجه المدعين الفيدراليين بإعطاء أولوية للتحقيق في أي إساءة لاستخدام أموال دافعي الضرائب.

“نقطة سوداء” في تاريخ البنك المركزي

ووصف بيتر كونتي-براون، أستاذ التاريخ النقدي بجامعة بنسلفانيا، التحقيق مع باول بأنه “نقطة سوداء في رئاسة ترامب وتاريخ العمل المصرفي المركزي في الولايات المتحدة”، مؤكدًا أن الكونجرس لم يُصمم الاحتياطي الفيدرالي ليعكس التقلبات السياسية اليومية، بل لحماية الاستقرار النقدي على المدى الطويل.

ويأتي هذا التصعيد قبل أسابيع من نظر المحكمة العليا الأمريكية في محاولة ترامب عزل عضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، ما يضيف مزيدًا من التوتر إلى العلاقة المتوترة أصلًا بين البيت الأبيض والبنك المركزي منذ عودة ترامب إلى السلطة في يناير الماضي.