تدرس الحكومة الهندية فرض إطار تنظيمي جديد للأمن السيبراني يُلزم شركات تصنيع الهواتف الذكية بمشاركة الشفرة المصدرية مع الجهات الحكومية، ضمن حزمة إصلاحات تهدف إلى تعزيز حماية بيانات المستخدمين ومواجهة تصاعد الاحتيال الإلكتروني وتسريبات المعلومات.
ويأتي المقترح في سياق سعي نيودلهي لتشديد سيادتها الرقمية في ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية عالميًا، والذي يضم نحو 750 مليون جهاز نشط، وفقا لتقرير وكالة رويترز.
83 معيارًا أمنيًا تثير جدلًا واسعًا
تشمل الحزمة المقترحة 83 معيارًا أمنيًا، من بينها إخطار الحكومة مسبقًا بالتحديثات البرمجية الكبرى، وإدخال تعديلات على أنظمة التشغيل تسمح بحذف التطبيقات المثبتة مسبقًا، ومنع التطبيقات من استخدام الكاميرا أو الميكروفون في الخلفية دون علم المستخدم. كما تنص الخطة على إخضاع أنظمة الهواتف لاختبارات أمنية داخل مختبرات معتمدة في الهند.
الشفرة المصدرية… نقطة الخلاف الأساسية
أكثر البنود إثارة للجدل هو مطلب إتاحة الوصول إلى الشفرة المصدرية، وهي البنية البرمجية الأساسية التي يقوم عليها تشغيل الهواتف الذكية. وترى شركات التكنولوجيا أن هذا الإجراء غير مسبوق عالميًا وقد يؤدي إلى كشف أسرار تجارية حساسة وتقويض حقوق الملكية الفكرية، مشيرة إلى أن دولًا كبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا لا تفرض شروطًا مماثلة.
قوبل المقترح بمعارضة قوية خلف الكواليس من شركات مثل آبل وسامسونج وجوجل وشاومي. وأكدت جمعية MAIT، التي تمثل شركات التكنولوجيا في الهند، أن مراجعة وتحليل الشفرة المصدرية غير ممكنين عمليًا بسبب اعتبارات السرية والخصوصية، محذرة من أن فحوصات البرمجيات الخبيثة الدورية قد تستنزف بطاريات الهواتف وتؤثر سلبًا على تجربة المستخدم.
تشمل الاعتراضات أيضًا إلزام الشركات بإخطار الجهات الحكومية قبل إطلاق التحديثات الأمنية، وهو ما تعتبره الصناعة غير عملي نظرًا للحاجة إلى سرعة معالجة الثغرات. كما أثارت الخطة انتقادات بسبب مطالبة الشركات بتخزين سجلات تشغيل الهواتف لمدة تصل إلى 12 شهرًا على الأجهزة نفسها، في ظل قيود المساحة التخزينية.
من جانبها، أكدت وزارة تكنولوجيا المعلومات الهندية أن المشاورات مع شركات التكنولوجيا لا تزال جارية، وأن الحكومة منفتحة على مناقشة أي مخاوف مشروعة، معتبرة أنه من السابق لأوانه استباق نتائج هذه المفاوضات أو حسم الصيغة النهائية للتشريعات.
يعكس هذا الملف توترًا متصاعدًا بين الحكومة الهندية وشركات التكنولوجيا العالمية، في وقت تسعى فيه نيودلهي إلى تحقيق توازن دقيق بين تعزيز الأمن الرقمي والسيادة الوطنية، والحفاظ على جاذبية السوق الهندية للاستثمارات الأجنبية والابتكار التكنولوجي. ومع استمرار المفاوضات، يبقى مستقبل هذه الإصلاحات مرهونًا بقدرة الطرفين على التوصل إلى صيغة توافقية تُرضي متطلبات الأمن دون الإضرار ببيئة الأعمال الرقمية.