أكد اتحاد شركات التأمين المصرية، في نشرته الصادرة اليوم الأحد، أن التأمين يقوم في جوهره على عقد يهدف إلى نقل عبء المخاطر من الفرد إلى شركة التأمين مقابل قسط مالي، مشيرًا إلى أن تحديد حجم هذه المخاطر والقسط العادل يعتمد بالأساس على التقييم الاكتواري بوصفه منهجًا علميًا قائمًا على حساب الاحتمالات وتحليل البيانات.
وأوضح الاتحاد أن شركات التأمين تعتمد في عملية التقييم الاكتواري على دراسة مجموعة من العوامل المعروفة بعوامل التصنيف، والتي تشمل الخصائص الشخصية والديموغرافية للمؤمن عليه، وخصائص الشيء المؤمن عليه، وسجل المطالبات السابق، وأنماط الاستخدام. ومن خلال هذه العوامل، تكوّن شركات التأمين تصورًا مبدئيًا عن مستوى المخاطر مع بداية سريان وثيقة التأمين، وتسعى إلى التنبؤ بسلوك هذه المخاطر خلال مدة العقد.
وأشار الاتحاد إلى أن عوامل التصنيف تمكّن شركات التأمين من إدارة المخاطر بكفاءة أكبر، عبر تجميع الأفراد المتشابهين في مستوى الخطر ضمن مجموعات واحدة، بحيث يتم تعويض خسائر الأفراد داخل كل مجموعة على أساس متوسط خسائرها، وليس الخسارة الفعلية لكل فرد. وكلما زاد عدد عوامل التصنيف المستخدمة، تقلّ حالات الدعم المتبادل غير العادل بين المؤمن عليهم، وتتحسن دقة التنبؤ بالخسائر المستقبلية.
وأضاف أن شركات التأمين قد تلجأ، في حال تعذر تحديد جميع عوامل الخطر بدقة، إلى ما يُعرف بالتقييم النسبي، حيث يُحدد القسط على أساس متوسط المخاطر في محفظة الشركة، مع تعديله صعودًا أو هبوطًا وفق نسب تعتمد على بعض عوامل المخاطر المتاحة. ويُعد هذا القسط عادلًا من الناحية الاكتوارية، لأنه يعكس حجم المطالبات المتوقعة، لافتًا إلى أن بعض الشركات المتقدمة لا تكتفي بتحليل متوسط المطالبات فقط، بل تأخذ في الاعتبار أيضًا درجة تقلبها وتأثيرها على الربحية وتكاليف إعادة التأمين.
وأوضح الاتحاد أن التقييم الاكتواري التقليدي ركّز تاريخيًا على التنبؤ الإحصائي بالمطالبات، دون إدراج السلوكيات الفردية التي قد تؤدي إلى زيادة المخاطر، وذلك نتيجة محدودية الأدوات والبيانات المتاحة سابقًا، فضلًا عن كون السلوك عنصرًا متغيرًا وممتدًا طوال مدة الوثيقة. وأدى ذلك إلى بروز مشكلة عدم تماثل المعلومات، حيث لا تمتلك شركة التأمين نفس مستوى المعرفة الذي يمتلكه العميل عن نفسه أو عن الممتلكات المؤمن عليها.
وبيّن الاتحاد أن عدم تماثل المعلومات ينقسم إلى نوعين رئيسيين، أولهما يتعلق بعوامل خطر خفية لا تفصح عنها بعض الفئات من العملاء، وهو ما يؤدي إلى ظاهرة الاختيار السلبي، حيث يكون الأفراد الأعلى خطرًا أكثر إقبالًا على شراء التأمين بأسعار موحدة أو متوسطة. ويمكن الحد من هذا الخطر من خلال تحليل بيانات أكثر تنوعًا، أو عبر فرض جزاءات أو إلغاء التغطية حال ثبوت إخفاء متعمد لمعلومات جوهرية. أما النوع الثاني، فيرتبط بتغير سلوك المؤمن عليه بعد إبرام العقد، كإهمال إجراءات السلامة أو عدم اتخاذ تدابير الوقاية، وهو ما يرفع احتمالية وقوع الخطر وحدّة الخسائر.
ولفت الاتحاد إلى أن شركات التأمين اعتمدت لفترات طويلة على المعلومات التي يقدمها العملاء أو على بيانات من جهات أخرى، إضافة إلى تحليل المطالبات السابقة لاستخلاص مؤشرات سلوكية، وبناء افتراضات عامة عن فئات معينة، مثل اعتبار الشباب أكثر عرضة للحوادث. إلا أن هذه الافتراضات، رغم فائدتها، لم تكن دائمًا دقيقة أو عادلة في عكس السلوك الفردي الحقيقي.
وفيما يتعلق بالقوى المؤثرة في التغيير، أوضح اتحاد شركات التأمين المصرية أن الأساليب التقليدية في التأمين واجهت خلال العقود الماضية تحديات متزايدة، أبرزها الاعتراض على بعض معايير التسعير التي اعتُبرت تمييزية، حتى وإن استندت إلى أسس إحصائية، ما دفع العديد من الدول إلى تقييد استخدامها بقوانين مكافحة التمييز، وهو ما قلّل من قدرة شركات التأمين على تفسير السلوك الفعلي للعملاء.
وأضاف الاتحاد أن تغيّر توقعات الأجيال الجديدة من العملاء شكّل عامل ضغط إضافيًا، إذ بات هؤلاء يفضلون المنتجات المرنة والمخصصة، ويتطلعون إلى دفع تكلفة المخاطر التي يتسببون فيها فقط، مع توقع مكافأتهم على السلوك الإيجابي بدلًا من تحمّل أعباء ناتجة عن سلوكيات أكثر خطورة لغيرهم.
وأشار الاتحاد إلى أن التطور التكنولوجي كان العامل الحاسم في هذا التحول، حيث أتاحت أجهزة تتبع القيادة والصحة وأجهزة الاستشعار الذكية الحصول على بيانات دقيقة ومباشرة عن سلوك العملاء، في وقت أصبح فيه كثير من العملاء أكثر استعدادًا لمشاركة بياناتهم مقابل مزايا أو تخفيضات. وأسهم ذلك في تقليص فجوة المعلومات بين شركة التأمين والعميل، وإحداث تغيير جوهري في إدارة المخاطر، عبر الانتقال من الاعتماد على البيانات التاريخية إلى متابعة السلوك بشكل مستمر والتنبؤ بالمخاطر المستقبلية، بما يمهّد لتسعير يعكس السلوك الفعلي لكل عميل على حدة.