قالت الدكتورة أميرة صبيح، باحثة الدكتوراه، إن عودة الحديث بقوة عن الحوكمة داخل قطاع التأمين المصري خلال الفترة الأخيرة تعكس وجود فجوة حقيقية في الثقة بين شركات التأمين والعملاء، وكذلك بين السوق والجهات الرقابية، مؤكدة أن الحوكمة لم تعد مفهومًا نظريًا أو اتجاهًا إداريًا حديثًا، بل أصبحت ضرورة فرضها الواقع.
وأوضحت صبيح أن صدور قانون التأمين الجديد كشف أن المشكلة الأساسية لم تكن يومًا في غياب التشريعات، وإنما في ضعف الالتزام العملي بمبادئ الإفصاح والشفافية، باعتبارهما الركيزة الأهم لأي نظام حوكمة فعال داخل شركات التأمين.
القانون الجديد يعيد ضبط السوق
وأكدت د. أميرة صبيح أن قانون التأمين الموحد يستهدف في جوهره تنظيم السوق وتعزيز الاستقرار المالي وحماية حقوق حملة الوثائق، مشيرة إلى أن القراءة المتعمقة لنصوص القانون توضح أنه يضع إطارًا أكثر انضباطًا للحوكمة داخل شركات التأمين، خاصة في ما يتعلق بوضوح السياسات والإجراءات، وإدارة المخاطر، والحد من تضارب المصالح، وتعزيز دور الجهات الرقابية.
وأضافت أن القانون لا ينشئ الحوكمة من الصفر، بل يفترض وجودها بالفعل داخل الشركات، ويحمّل مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية مسؤولية تطبيقها والحفاظ عليها بصورة مستمرة.
فجوة بين النص والتطبيق
وأشارت الباحثة إلى أن العديد من شركات التأمين تعلن امتلاكها لوائح وسياسات حوكمة متكاملة، إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة واضحة بين هذه النصوص المكتوبة وبين الممارسات اليومية داخل الشركات، لافتة إلى أن الحوكمة الحقيقية لا تقاس بعدد اللجان أو حجم المستندات، وإنما بمدى وضوح المعلومات التي يحصل عليها العميل، وقدرته على فهم حقوقه والتزاماته دون لبس أو غموض.
وأكدت أن غياب هذا الوضوح يضعف ثقة العملاء، حتى في ظل الالتزام الشكلي بالتشريعات.
الإفصاح والشفافية في قلب الأزمة
وشددت د. أميرة صبيح على أن مفهوم الإفصاح في قطاع التأمين أوسع بكثير من مجرد نشر القوائم المالية، موضحة أنه يشمل وضوح شروط وثائق التأمين، وسهولة فهم آليات تسوية المطالبات، وشفافية أسباب الرفض أو التأخير، إلى جانب وضوح التسعير والمخاطر المغطاة والمستبعدة، وسرعة الاستجابة لاستفسارات العملاء.
وأوضحت أن ضعف الشفافية يمثل أحد الأسباب الرئيسية للنزاعات المتكررة بين العملاء وشركات التأمين، وهو ما ينعكس بالسلب على سمعة القطاع ككل.
الشفافية لم تعد خيارًا تسويقيًا
وأضافت الباحثة أن التجارب والدراسات الحديثة تؤكد أن الشفافية أصبحت عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة، حيث تساهم في تعزيز ارتباط العملاء بالشركات على المدى الطويل، وتقليل النزاعات والتكاليف القانونية، ودعم الاستدامة المالية، مشيرة إلى أن الشركات التي تكتفي بالالتزام القانوني الشكلي قد تحافظ على وضعها التنظيمي، لكنها تفقد ثقة السوق تدريجيًا.
تفاوت في التطبيق داخل السوق المصري
وأشارت د. أميرة صبيح إلى أن سوق التأمين المصري يشهد تفاوتًا واضحًا في تطبيق مبادئ الإفصاح والشفافية، حيث بدأت بعض الشركات في إدراك أن التحول الرقمي يفرض مستوى أعلى من الوضوح والتواصل مع العملاء، بينما لا تزال شركات أخرى تنظر إلى الإفصاح باعتباره التزامًا رقابيًا فقط، وليس أداة استراتيجية لبناء الثقة.
التشريع خطوة… والثقافة المؤسسية هي الفيصل
واختتمت د. أميرة صبيح تصريحها بالتأكيد على أن قانون التأمين الجديد يمثل خطوة تشريعية مهمة على طريق إصلاح سوق التأمين، لكنه لا يمثل الحل النهائي، مشددة على أن نجاحه الحقيقي يتوقف على مدى التزام شركات التأمين بمبادئ الحوكمة، وفي مقدمتها الإفصاح والشفافية، باعتبارهما الأساس لإعادة بناء الثقة وتحقيق الاستدامة في سوق التأمين المصري.