أعلنت الصين مؤخرًا عن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 55% على واردات اللحوم البقرية التي تتجاوز الحصص المقررة من كبار الموردين مثل البرازيل وأستراليا والولايات المتحدة في خطوة تهدف إلى حماية الصناعة المحلية للثروة الحيوانية التي بدأت تتعافى تدريجيًا بعد سنوات من فائض العرض والتحديات الهيكلية وأكدت وزارة التجارة الصينية أن هذا القرار يأتي في إطار إجراءات الحماية التجارية التي تم إطلاقها بعد تحقيق شامل أجري العام الماضي لتقييم تأثير الواردات على قطاع تربية الأبقار المحلي.
وفقًا للوزارة يبلغ إجمالي حصة واردات اللحوم البقرية لعام 2025 للدول المشمولة بالإجراءات الجديدة 2.7 مليون طن متري وهو رقم قريب من الحصيلة القياسية التي بلغت 2.87 مليون طن خلال عام 2024 عندما سجلت الصين أعلى مستويات وارداتها على الإطلاق ويشير هذا التحديد إلى رغبة بكين في الحد من ارتفاع الواردات مع ترك هامش معين لاستمرار تدفق الإمدادات الدولية لكنه يقل عن مستويات الاستيراد للفترة نفسها في 2025 بالنسبة للبرازيل وأستراليا مما يعكس توجهًا واضحًا لضبط السوق المحلية.
وقالت الوزارة في بيانها الرسمي إن الارتفاع المستمر في واردات اللحوم البقرية قد ألحق ضررًا بالغًا بالصناعة المحلية وأنها ملتزمة باتخاذ إجراءات لضمان استقرار السوق وحماية المزارع المحلية وستدخل هذه الرسوم الجديدة حيز التنفيذ اعتبارًا من 1 يناير 2026 ولمدة ثلاث سنوات مع زيادة تدريجية في الحصة الإجمالية سنويًا بما يوازن بين حماية السوق المحلي واستمرار الإمدادات الخارجية.
وبحسب بيانات الجمارك الصينية بلغت واردات اللحوم البقرية 2.59 مليون طن خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025 بانخفاض طفيف قدره 0.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق وهو مؤشر على تراجع معدل الاستيراد رغم النمو الكبير في الطلب المحلي نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم عالميًا.
تعد الصين أكبر مستورد للحوم البقرية في العالم إذ يمثل القطاع جزءًا حيويًا من الأمن الغذائي الوطني والاقتصاد الزراعي ومع ذلك تعاني الصناعة المحلية من عدة تحديات أبرزها ضعف القدرة التنافسية مقارنة بالدول الكبرى المصدرة مثل البرازيل والأرجنتين وأستراليا حيث تتمتع هذه الدول بخبرة طويلة وتكاليف إنتاج منخفضة وأساطيل إنتاجية واسعة تسمح لها بالوصول إلى أسواق متعددة بفعالية في السنوات الأخيرة شهدت الصين فائضًا في الإنتاج المحلي تلاه تقلبات حادة في الأسعار مما دفع الحكومة إلى تعزيز الدعم المالي والسياسات الزراعية لتشجيع تربية الأبقار وتحسين جودة اللحوم وفي عام 2024 سجلت صناعة الأبقار المحلية أرباحًا متتالية لمدة سبعة أشهر ما يعكس أثر السياسات الداعمة واستقرار السوق بعد سنوات من الضغوط الخارجية.
وقال هونغ تشي شو محلل أول في Beijing Orient Agribusiness Consultants إن الصين لا تمتلك القدرة التنافسية الكاملة مقارنة بالبرازيل والأرجنتين في تربية الأبقار وهذه الفجوة لا يمكن سدها على المدى القصير عبر التكنولوجيا أو الإصلاحات المؤسسية فقط لذا تأتي هذه الإجراءات لضبط السوق ومنح الصناعة المحلية الوقت لإعادة التوازن.
تشير البيانات الرسمية إلى أن الصين استوردت في عام 2024 من البرازيل 1.34 مليون طن ومن الأرجنتين 594,567 طن ومن أوروغواي 243,662 طن ومن أستراليا 216,050 طن ومن نيوزيلندا 150,514 طن ومن الولايات المتحدة 138,112 طن أما في الأشهر الأحد عشر الأولى من 2025 فقد جاءت البيانات على النحو التالي البرازيل 1.33 مليون طن وهو أعلى من الحصة الجديدة المحددة وأستراليا 294,957 طن بزيادة كبيرة نتيجة انتهاء صلاحية تصاريح مصانع اللحوم الأمريكية وتأثير الحرب التجارية بين بكين وواشنطن والولايات المتحدة 55,172 طن بانخفاض ملحوظ عن الأعوام السابقة بسبب قيود الاستيراد وسياسات التعرفة الجمركية المتبادلة.
من المتوقع أن تؤدي الرسوم الجديدة إلى خفض واردات اللحوم البقرية في 2026 ما سيتيح فرصة للمزارع المحلية لزيادة الإنتاج وتحسين جودة اللحوم ويحد من الهبوط المستمر في عدد الأبقار التناسلية كما سيتيح ذلك لبكين شراء الوقت لتنفيذ تحديثات في البنية التحتية وتطوير القدرات التكنولوجية في القطاع الزراعي مع تعزيز قدرة الصناعة المحلية على المنافسة تدريجيًا وعلى الصعيد الدولي يُتوقع أن تؤثر هذه الإجراءات على أسعار اللحوم عالميًا خاصة في الأسواق التي تعتمد على الصادرات إلى الصين مثل البرازيل وأستراليا والولايات المتحدة حيث يمثل السوق الصيني نسبة كبيرة من إجمالي صادرات هذه الدول وقد أشار مارك توماس رئيس Western Beef Association في أستراليا إلى أن هناك العديد من الدول الأخرى التي يمكنها استلام منتجاتنا في إشارة إلى إمكانية إعادة توجيه صادرات اللحوم إلى أسواق بديلة.
تأتي هذه الإجراءات في إطار سياسات الصين الهادفة إلى حماية الأمن الغذائي المحلي عبر تقليل الاعتماد على واردات اللحوم من الخارج ودعم المزارع المحلية ومنحها الوقت لإجراء تحديثات تقنية وزيادة الإنتاجية وتخفيف الضغوط على الأسعار المحلية خاصة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم عالميًا نتيجة النقص في المعروض كما أن الإجراء يعكس توجه الصين نحو السياسات الاقتصادية الوقائية طويلة الأجل والتي تراعي التوازن بين النمو المحلي واستقرار العلاقات التجارية الدولية ويعد هذا النوع من السياسات متوافقًا مع الاستراتيجية الصينية لتعزيز الاستقلالية الغذائية وتقليل التأثر بالصدمات الخارجية.
من المتوقع أن يؤدي الحد من الواردات إلى زيادة أسعار اللحوم البقرية المحلية في الصين خلال 2026 وهو ما قد يحفز المزارع على توسيع الإنتاج وزيادة الاستثمار في تقنيات تحسين جودة اللحوم وتربية الأبقار وعلى المدى القصير قد تواجه الشركات المستوردة تحديات في تلبية الطلب خاصة بعد أن شهدت بعض الأسواق ارتفاعًا قياسيًا في أسعار اللحوم عالميًا وبالنسبة للأسواق العالمية فإن كبار الموردين مثل البرازيل وأستراليا سيبحثون عن أسواق بديلة لتعويض الانخفاض المتوقع في الصادرات إلى الصين مما قد يغير خريطة التجارة العالمية للحوم البقرية على المدى المتوسط.
في الأشهر الأخيرة زادت بكين من الدعم المالي والسياسي لمزارع الأبقار حيث أظهرت بيانات حكومية أن قطاع تربية الأبقار أصبح يحقق أرباحًا متتالية منذ سبعة أشهر ما يعكس تحسن الأداء الاقتصادي للمزارع المحلية بعد سنوات من الركود كما شملت السياسات دعمًا للبحوث والتطوير في مجال إنتاج اللحوم وتحسين معايير التغذية وتقديم حوافز لتبني ممارسات مستدامة ما يسهم في تعزيز القدرة التنافسية للصناعة على المدى الطويل.
تعكس الخطوة الصينية الأخيرة في فرض الرسوم الجمركية على اللحوم البقرية تجاوز مستويات الحصص المحددة رغبة بكين في حماية الصناعة المحلية وتأمين استقرار السوق الغذائي وسط تحديات تتعلق بالفائض السابق في الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على واردات اللحوم من الخارج وارتفاع أسعار اللحوم عالميًا ومن المتوقع أن تؤثر هذه الإجراءات على كل من الأسواق المحلية والدولية مع إعادة توجيه التدفقات التجارية وضغط على الموردين الرئيسيين وتشجيع الصناعة المحلية على تطوير قدراتها وتحسين إنتاجها على المدى المتوسط والطويل.