الصين تتفوق على أمريكا في تسويق الروبوتات الشبيهة بالبشر

تتحرك بوتيرة أسرع في هذه المرحلة التأسيسية

الروبوتات في الصين

يتصور إيلون ماسك عالمًا تنتشر فيه الروبوتات الشبيهة بالبشر في كل مكان، ويرى أنها تمثل أحد أعمدة التقييم المستقبلي لشركة تسلا، التي يعتقد أنها قد تصل قيمتها قريبا إلى عشرات التريليونات من الدولارات، غير أن هذا المستقبل قد يبدأ من الصين، التي تبدو في موقع متقدم لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس قبل غيرها.

جعلت بكين تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر أولوية استراتيجية في إطار منافستها التكنولوجية المتصاعدة مع الولايات المتحدة، في وقت يتوقع فيه محللون أن تتصدر الصين هذا المجال مع انتقال الشركات المحلية من مرحلة التطوير إلى تكثيف الإنتاج خلال عام 2026.

ورغم هذا الزخم، أصدرت السلطات الصينية تحذيرات من مخاطر تشكّل فقاعة في قطاع الروبوتات الشبيهة بالبشر، في إشارة إلى أن الطريق نحو الانتشار الواسع لا يخلو من تحديات ومعوقات هيكلية.

وفي حين لم تبدأ تسلا بعد ببيع روبوتها البشري «أوبتيموس» تجاريًا، تشير التوقعات إلى أن مجموعة من الشركات الصينية قد تسبقها إلى السوق، مستفيدة من الدعم الحكومي المباشر وسرعة تحويل النماذج الأولية إلى منتجات قابلة للإنتاج الكمي.

وقال أندرياس براوخلي، الشريك في شركة هورفاث الاستشارية، في تصريحات لشبكة «سي إن بي سي»، إن الصين تتفوق حاليًا على الولايات المتحدة في المراحل المبكرة من تسويق الروبوتات الشبيهة بالبشر. وأضاف: "بينما يُتوقع أن تبني الدولتان أسواقًا ضخمة متقاربة الحجم على المدى الطويل، فإن الصين تتحرك بوتيرة أسرع في هذه المرحلة التأسيسية".

وتُصمَّم الروبوتات الشبيهة بالبشر لتقليد شكل الإنسان وحركته، معتمدة على خوارزميات ذكاء اصطناعي متقدمة ومكونات مادية معقدة، مثل أشباه الموصلات. ويرى مؤيدو هذه التكنولوجيا أنها قد تُستخدم في مجالات واسعة تشمل المصانع، وقطاع الضيافة، والخدمات، وحتى المنازل.

خلال السنوات الأخيرة، وضعت الصين الروبوتات في صميم استراتيجيتها التكنولوجية، وأعلنت خططًا لبناء سلاسل إمداد وقدرات إنتاج واسعة النطاق لهذه الآلات. وفي أكتوبر الماضي، أدرجت القيادة الصينية مفهوم "الذكاء الاصطناعي المُجسّد" الذي يشمل الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة—ضمن مقترحات "الخطة الخمسية الخامسة عشرة"، ما يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع.

وترى بكين في الروبوتات الشبيهة بالبشر أداة لمعالجة التحديات الديموغرافية، في ظل تراجع معدلات المواليد وشيخوخة السكان، وما يترتب على ذلك من تقلص في القوى العاملة وارتفاع تكاليف الأجور. وفي الوقت ذاته، تمثل هذه التكنولوجيا رافعة لتعزيز موقع الصين في سباق الريادة التكنولوجية العالمي.

وقال كاريل إيلوت، الشريك الأول في شركة ماكينزي، إن توجه الصين نحو تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر"مدفوع بمزيج من معالجة الضغوط الديموغرافية، ودفع النمو الاقتصادي، وتعزيز مكانتها في المنافسة العالمية".

يتزامن هذا التوجه مع احتدام السباق التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة في عدة قطاعات. ويُنظر إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر باعتبارها التطبيق العملي الأبرز للذكاء الاصطناعي، وقد تتحول إلى ساحة تنافس رئيسية جديدة بدءًا من عام 2026.

وذكر موقع "بوليتيكو" أن وزير التجارة الأمريكي يجري مشاورات مع رؤساء شركات روبوتات لوضع خطة لتسريع نمو هذا القطاع، فيما تدرس واشنطن إصدار أمر تنفيذي خاص بالروبوتات خلال العام المقبل.

ووفقًا لمذكرة صادرة عن "آر بي سي كابيتال ماركتس"، قد تصبح الصين السوق الأهم عالميًا للروبوتات الشبيهة بالبشر. ويتوقع محللو البنك أن يبلغ حجم السوق العالمي نحو 9 تريليونات دولار بحلول عام 2050، تستحوذ الصين على أكثر من 60% منه.

وتبرز شركة «يونيتري» كأحد أبرز اللاعبين، إذ تستعد لطرح أسهمها للاكتتاب العام بتقييم قد يصل إلى 7 مليارات دولار. وقد أطلقت هذا العام أحدث نماذجها البشرية «H2»، مستعرضة قدراته الحركية المتقدمة.

كما تُعد شركة «UBTech Robotics» من الأسماء البارزة، حيث تطور روبوتات بشرية للاستخدام الصناعي والتجاري. ويتميز طرازها الصناعي «Walker S2» بقدرته على استبدال بطاريته ذاتيًا للعمل المتواصل. وتخطط الشركة لرفع إنتاجها إلى 5000 روبوت في 2026 و10 آلاف في 2027.

بدورها، أعلنت شركة «AgiBot» عن إنتاج روبوتها البشري رقم 5000، فيما كشفت شركة السيارات الكهربائية «إكس بينغ» عن الجيل الثاني من روبوتها «آيرون»، مع خطط لبدء الإنتاج الكمي العام المقبل.

ويُقدّر عدد الشركات الصينية العاملة في هذا المجال بأكثر من 150 شركة، إلا أن هذه الأسماء تُعد من بين الأكبر والأكثر تقدمًا.

يرى محللون أن التفوق التصنيعي للصين وعمق سلاسل التوريد يمنحانها أفضلية تنافسية واضحة. وقال إيثان تشي، من شركة كاونتربوينت للأبحاث، إن الشركات الصينية قادرة على تطوير وتصنيع الروبوتات بتكلفة أقل بكثير مقارنة بمناطق أخرى، مع توقعات بانخفاض تكاليف الإنتاج بنسبة 20% إلى 30% سنويًا.

في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة بمزايا قوية في مجالات الذكاء الاصطناعي المتقدم والاستقلالية والخوارزميات، وتعتمد شركاتها على التكامل الرأسي لتعزيز الأداء والأمن وحماية الملكية الفكرية.

ورغم التقدم السريع، يواجه القطاع تحديات كبيرة، أبرزها الاعتماد على رقائق أجنبية متقدمة، والقيود التنظيمية، وصعوبات محاكاة الحركة البشرية الدقيقة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. إذ تتراوح تكلفة النموذج الواحد حاليًا بين 150 ألفًا و500 ألف دولار، بينما يتطلب الانتشار الواسع خفضها إلى ما بين 20 ألفًا و50 ألف دولار لتصبح منافسة للعمل البشري.

وبين الطموحات الكبيرة والقيود الواقعية، يبدو أن عام 2026 قد يشكل نقطة انعطاف حاسمة في سباق الروبوتات الشبيهة بالبشر، مع تقدم الصين خطوة إلى الأمام في سباق تكنولوجي مرشح لإعادة تشكيل مستقبل العمل والاقتصاد العالمي.