تدخل شركة ميتا بلاتفورمز مرحلة مفصلية مع اقتراب عام 2026، في وقت يواجه فيه سهم عملاق التواصل الاجتماعي ضغوطًا متزايدة. فقد تراجع السهم بنحو 17% عن ذروته المسجلة في أغسطس الماضى، مما وضع المستثمرين أمام معادلة معقدة تجمع بين القلق من الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، والرهان على أن أفضل فصول نمو الشركة لم تبدأ بعد.
ورغم هذا التراجع، لا تزال “وول ستريت” تميل إلى التفاؤل الحذر، فقد أبقى المحلل كولين سيباستيان من شركة “بيرد” على توصيته بشراء السهم، مع خفض طفيف للسعر المستهدف من 820 دولارًا إلى 815 دولارًا إلا أن لهجة السوق انتقلت من التفاؤل الواثق إلى الترقب، في انتظار إشارات أكثر وضوحًا بشأن عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة للمستثمرين، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت “ميتا” قادرة على التعافي، بل ما إذا كانت إدارتها ستنجح في إثبات أن رهانها المكلف على الذكاء الاصطناعي سيُترجم إلى نمو ملموس في الإيرادات والأرباح بحلول عام 2026.
وتعود نقطة التحول إلى أواخر أكتوبر، عندما أعلنت ميتا نتائج قوية للربع الثالث بإيرادات بلغت 51.24 مليار يورو، مسجلة نموًا سنويًا بنسبة 26%، وعلى عكس التوقعات، قوبلت النتائج برد فعل سلبي من السوق، بعد أن كشف الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرج عن رفع توقعات الإنفاق الرأسمالي لعام 2025 إلى ما بين 70 و72 مليار دولار، وهو مستوى فاق التقديرات السابقة بشكل كبير.
وزاد من حدة المخاوف تلميحه إلى تسارع الإنفاق في عام 2026، في إطار سعي الشركة نحو تطوير ما وصفه بـ“الذكاء الخارق”. هذا الإعلان أثار قلق المستثمرين من ضخ أموال طائلة في بنية تحتية لم تُثبت بعد قدرتها على تحقيق عوائد، مما أدى إلى هبوط السهم بنسبة 11% في جلسة واحدة، في أسوأ أداء يومي له منذ أكتوبر 2022.
وفي مذكرة صادرة في ديسمبر، أقر سيباستيان بوجود مخاطر قصيرة الأجل تؤثر على معنويات المستثمرين، لكنه أشار إلى أن التوقعات باتت أكثر توازنًا مقارنة بالأشهر السابقة، معتبرًا أن موجة التشاؤم قد تكون بالغت في رسم سيناريوهات سلبية غير واقعية.
ويرى المتشائمون أن “ميتا” قد تخسر سباق الذكاء الاصطناعي رغم إنفاقها الهائل، في ظل منافسة محتدمة من شركات مثل “OpenAI” التي يحظى منتجها “ChatGPT” بقاعدة مستخدمين أسبوعية ضخمة. كما يخشى بعض المستثمرين من أن أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة قد تقلل من التفاعل على منصات فيسبوك وإنستجرام عبر توفير بدائل لاكتشاف المحتوى.
وتفاقم هذه المخاوف الخسائر المستمرة لوحدة Reality Labs، التي سجلت خسائر بنحو 4.5 مليار دولار في الربع الثالث وحده، مما يضغط على الربحية ويختبر صبر المستثمرين، خاصة في ظل استعداد الإدارة لمواصلة الإنفاق دون ضمانات واضحة للعائد.
في المقابل، يتمسك المتفائلون بجملة من المؤشرات الإيجابية. فالنشاط الإعلاني الأساسي لميتا، المدعوم بمنصة “Advantage+” القائمة على التعلم الآلي، لا يزال يسجل نموًا قويًا بنسبة 26%، في وقت يتجه فيه الإنفاق الإعلاني العالمي بشكل متزايد نحو القنوات الرقمية. كما بدأت الشركة مؤخرًا فقط في تحقيق الدخل من تطبيق واتساب، ما يفتح آفاقًا جديدة للإيرادات.
ويبرز تطبيق “ثريدز” الذي أُطلق في 2024، كأحد الرهانات المستقبلية الواعدة، وسط توقعات بأن يتحول إلى بديل مؤثر لمنصات التدوين المصغر، كذلك تُظهر أدوات الذكاء الاصطناعي التي تطورها ميتا قدرة واضحة على تعزيز تفاعل المستخدمين، وهو ما قد يجعل الاستثمارات الحالية في البنية التحتية خطوة إستراتيجية رابحة على المدى المتوسط.
وتحدد التقديرات عدة محفزات قد ترسم مسار السهم خلال الفترة المقبلة، من بينها توجيهات الربع الأول من 2026، ولا سيما ما يتعلق بهوامش الربح، والتي ستعكس ما إذا كانت وتيرة الإنفاق بدأت بالاستقرار. كما يترقب المستثمرون تطورات نموذج اللغة الضخم لاما، الذي يقوده فريق جديد من الخبرات البارزة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتُعد وتيرة تحقيق الدخل من واتساب، الذي يضم نحو ملياري مستخدم شهريًا، عاملًا حاسمًا قد يضيف مليارات الدولارات إلى الإيرادات، كما تشكل تحديثات منتجات الذكاء الاصطناعي ونمو ثريدز عناصر إضافية في معادلة التقييم.
و حاليًا، يتداول سهم ميتا قرب 664 دولارًا، مع مضاعف ربحية متوقع يبلغ نحو 25 مرة، وهو مستوى يُعد مقبولًا مقارنة مع نظرائه. غير أن عائد السهم منذ بداية العام، البالغ نحو 13%، يظل أقل من أداء كبرى شركات التكنولوجيا. ويشير متوسط السعر المستهدف لآراء 64 محللًا إلى 834 دولارًا، بما يعكس إمكانية صعود تتجاوز 25%، رغم أن التخفيضات الأخيرة في بعض التقييمات تعكس تزايد الحذر.
وفي المحصلة، سيعتمد أداء سهم ميتا في عام 2026 على قدرتها على إقناع السوق بأن إنفاقها الضخم على الذكاء الاصطناعي ليس عبئًا على الهوامش، بل محركًا لنمو الإيرادات. وحتى يتحقق ذلك، قد يستمر التذبذب والتشاؤم. أما المستثمرون الصبورون، فقد يجدون أن العام المقبل يمثل نقطة التحول التي تنتقل فيها ميتا من دائرة الشك إلى استعادة الثقة.