تحالف ترامب وعملاقة التكنولوجيا يعيد رسم سياسات الذكاء الاصطناعي في أمريكا

إدارته وسعت تصدير الرقائق وسرّعت وتيرة بناء مراكز البيانات

الرئيس دونالد ترامب

قبل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الفائت، كثّفت شركات التكنولوجيا العملاقة تحركاتها لكسب دعمه، عبر تبرعات سخية لحفل تنصيبه، وتنظيم زيارات إلى منتجع مارالاغو في بالم بيتش بولاية فلوريدا. 

غير أن الأيام الأولى لتوليه المنصب بدت مخيبة لآمال القطاع، إذ جدّد ترامب تعهده بتفكيك شركة "ميتا"، وفرض رسوماً جمركية تهدد سلاسل توريد "أبل"، وقيّد صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي من "إنفيديا" وغيرها من الشركات.

لكن المشهد تبدّل سريعاً. فخلال أشهر قليلة، حصلت كبرى شركات التكنولوجيا على معظم ما سعت إليه. فمنذ الصيف، ألغت الإدارة قيوداً واسعة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي، وسرّعت وتيرة بناء مراكز البيانات الداعمة للتقنيات المتقدمة، كما دفعت باتجاه تشريع يمنح الحكومة صلاحيات جديدة تتعلق بالعملات المشفّرة.

وفي هذا السياق، وقّع ترامب هذا الشهر أمراً تنفيذياً يحدّ من قدرة الولايات على تنظيم الذكاء الاصطناعي، وسمح ببيع شريحة أكثر تطوراً من إنتاج "إنفيديا" إلى الصين، المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة.

وتقول إيزابيل سندرلاند، المتخصصة في سياسات التكنولوجيا في منظمة "إيشو ون" غير الحزبية، إن ما يجري يمثل خروجاً عن الخطاب المحافظ التقليدي القائم على الحياد بين الرابحين والخاسرين. 

وأضافت أن إدارة ترامب "اختارت قطاع التكنولوجيا للفوز، في خطوة تتعارض مع توجهات جزء من قاعدته الشعبية".

وبفضل حملة ضغط منسقة، نجحت شركات التكنولوجيا في ترسيخ تحالف وثيق مع البيت الأبيض، تحالف وصفه مراقبون بأنه قائم على المنفعة المتبادلة. 

ورغم الشكوك حول استمراريته في ظل تقلبات ترامب المعهودة، فإن آثاره باتت واضحة على مسار تقنيات سريعة النمو، مثل الذكاء الاصطناعي، وعلى أجندة اقتصادية تُسوَّق تحت شعار "أمريكا أولاً".

وخلال هذا العام وحده، أعلنت شركات أمازون، وآبل، وجوجل، وميتا، وإنفيديا، وأوبن إيه آي، وأوراكل عن استثمارات محلية مجمّعة بلغت 1.4 تريليون دولار في مراكز البيانات ومشاريع التصنيع، وفقاً لإحصاءات صحيفة نيويورك تايمز.

وفي وادي السيليكون، انعكست هذه السياسات على ارتفاع كبير في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب تحقيق عملة بيتكوين مستويات قياسية، مع تراجع المخاوف من فرض قيود تنظيمية صارمة على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

غير أن هذا التقارب فاقم الانقسام داخل اليمين الأميركي. فقد وجّه مشرّعون جمهوريون ومراكز أبحاث محافظة انتقادات حادة للإدارة، محذّرين من تركيز غير مسبوق للسلطة والنفوذ بيد مليارديرات التكنولوجيا. 

وقال ويس هودجز، رئيس قسم السياسات التقنية في مؤسسة التراث، إن هذه الشركات "ليست حليفاً طبيعياً للمحافظين"، محذراً من مخاطر احتكارها للقوة الاقتصادية والتقنية.

في المقابل، دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هيوستن، عن هذه العلاقة، معتبرة أن تعاون ترامب مع عمالقة القطاع الخاص سيعزز "الهيمنة التكنولوجية الأميركية لما تبقى من القرن الحادي والعشرين".

وبرزت ملامح هذا التحالف خلال مأدبة عشاء جمعت ترامب بقادة التكنولوجيا في سبتمبر الماضي، حيث أشاد بمديرين تنفيذيين بارزين، مثل مارك زوكربيرج وبيل جيتس، واصفاً إياهم بـ"ألمع العقول". وردّ قادة الشركات بإشادات مماثلة بسياسات الرئيس الداعمة للأعمال والابتكار.

لكن مع اتساع نطاق بناء مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة والمياه، تصاعدت اعتراضات محلية في ولايات عدة، من جورجيا إلى ويسكونسن، وسط مخاوف من ارتفاع تكاليف الخدمات العامة، ومنح إعفاءات ضريبية كبيرة لشركات التكنولوجيا.

كما عبّر جمهوريون بارزون، بينهم حكام ونواب، عن رفضهم لتقليص صلاحيات الولايات في تنظيم الذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي القلق من تداعيات هذا التوجه.

وتشير استطلاعات رأي إلى معارضة شعبية متزايدة للنهج الفيدرالي الموحّد في هذا الملف، حتى بين مؤيدي ترامب. 

وفي الوقت ذاته، حذّر باحثون ونشطاء من أن التركيز المفرط على دعم الصناعة قد يطغى على قضايا حساسة، مثل سلامة الأطفال وتأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على المجتمع.

ويرى إيفان شوارتزتراوبر، الباحث في مؤسسة الابتكار الأميركية، أن دعم الريادة التكنولوجية لا ينبغي أن يتعارض مع حماية الفئات الأكثر هشاشة. 

من جهتها، أكدت ناشطات من أولياء الأمور، من بينهن لوري شوت من كولورادو، أن القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري ستضغط باتجاه تشريعات تضع سلامة الأطفال في صدارة الأولويات.

وبين طموحات الهيمنة التكنولوجية ومخاوف القاعدة الشعبية، يقف تحالف ترامب مع عمالقة التكنولوجيا عند مفترق طرق، مرشح لأن يكون أحد أبرز ملفات الجدل السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة.