توسع استثمارات «الكريبتو» يثير مخاوف مضاعفة المخاطر على المستثمرين في أمريكا

تضاعف مستويات المخاطر

العملات المشفرة

تشهد الأسواق المالية الأمريكية تحولًا متسارعًا مع دخول فئات استثمارية كانت حكرًا على المؤسسات الكبرى إلى دائرة الاهتمام الجماهيري، وفي مقدمتها الأصول الرقمية «الكريبتو» والائتمان الخاص، في ظل توجه من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) لفتح الأسواق أمام شريحة أوسع من المستثمرين الأفراد. غير أن هذا التوسع، رغم ما يحمله من فرص محتملة لتحقيق عوائد مرتفعة، يثير في الوقت نفسه مخاوف متزايدة لدى مستشاري الاستثمار بشأن تضاعف مستويات المخاطر التي قد يتحملها المستثمرون غير المحترفين.

ووفقا لما ورد في وكالة رويترز، تسعى كل من الإدارة الأمريكية والهيئة التنظيمية للأسواق المالية، برئاسة بول أتكينز، إلى إتاحة مزيد من الخيارات الاستثمارية أمام الأفراد، باعتبار ذلك وسيلة لدمجهم في فئات أصول تتمتع بإمكانات نمو مرتفعة، مثل الائتمان الخاص ورأس المال المخاطر والأصول المشفرة. إلا أن خبراء في القطاع يحذرون من أن هذا الانفتاح السريع قد ينقل عبء تقييم المخاطر بالكامل إلى كاهل المستثمر الفرد، الذي اعتاد تاريخيًا على الاستثمار في أدوات تقليدية أكثر وضوحًا مثل الأسهم والسندات.

قلق من ضعف الوعي الاستثماري مع تدفق منتجات جديدة

ويحذر عدد من مستشاري الاستثمار من أن غالبية المستثمرين الأفراد قد لا يمتلكون الأدوات المعرفية الكافية لفهم التعقيد الكامن في المنتجات الاستثمارية الجديدة، خاصة مع توقعات بزيادة كبيرة في المعروض منها خلال عام 2026.

وقال مارك ستانكاتو المؤسس المشارك لشركة VIP Wealth Advisors في ولاية جورجيا، إن المخاوف لا تتعلق بوجود هذه المنتجات في حد ذاتها، بل بقدرة المستثمرين على استيعاب حجم المخاطر التي ينطوي عليها الاستثمار فيها، لاسيما عندما تكون مرتبطة بمدخرات التقاعد. وأضاف: «سيحدث أمر سلبي في مرحلة ما، وعندها سيقول البعض إنهم لم يدركوا حجم المخاطر التي كانوا يتحملونها».

وأشار ستانكاتو إلى أن القرارات الاستثمارية الخاطئة في هذا السياق قد تكون لها تداعيات طويلة الأجل على الأفراد، خاصة أولئك الذين يعتمدون على محافظهم الاستثمارية لتأمين مستقبلهم المالي بعد التقاعد.

تأكيد رسمي على حماية المستثمرين

ومن جانبها، تؤكد كل من هيئة الأوراق المالية والبورصات والبيت الأبيض أن حماية المستثمرين تظل أولوية رئيسية بالتوازي مع توسيع نطاق الخيارات الاستثمارية. وقالت تايلور روجرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن رئيس الهيئة بول أتكينز ملتزم بالحفاظ على أسواق «عادلة ومنظمة وفعالة»، مع توفير الحماية اللازمة للمستثمرين الأفراد، مؤكدة أن الولايات المتحدة ما زالت «الوجهة الأكثر أمانًا وجاذبية للاستثمار عالميًا».

كما أوضح متحدث باسم هيئة الأوراق المالية والبورصات أن الهيئة تركز على ضمان إتاحة معلومات شاملة وشفافة للمستثمرين بشأن جميع المنتجات الجديدة، بما يمكنهم من اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة. وكان أتكينز قد أشار في خطاب سابق إلى أن فتح المجال أمام الأصول الخاصة يتطلب وضع «ضوابط تنظيمية واضحة» تواكب هذا الانفتاح.

وفي السياق ذاته، أعلن متحدث باسم وزارة العمل الأمريكية أن الوزارة تعمل على إعداد قواعد إرشادية وأفضل ممارسات لدمج الأصول الخاصة والاستثمارات البديلة ضمن خطط التقاعد، بالتنسيق مع الجهات التنظيمية الأخرى.

وأعلنت إدارة ترامب في أغسطس الماضي عن خطط لتسهيل وصول المستثمرين الأفراد إلى فئات أصول مثل الائتمان الخاص ورأس المال الخاص، وكلفت وزارة العمل بالتشاور مع هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئات أخرى خلال ستة أشهر لوضع إطار تنظيمي مناسب. ويرى بول أتكينز أن الأدوات التقليدية للتقاعد، مثل صناديق الاستثمار ذات التاريخ المستهدف، تفتقر إلى التعرض لهذه الفئات، ما قد يحرم المستثمرين من فرص تنويع وعوائد أعلى.

في المقابل، يشير منتقدون إلى أن «المستثمر الصغير» لا يمتلك فريقًا من المستشارين والخبراء يمكنه الاعتماد عليهم لتقييم هذه الأدوات المعقدة، ما يضعه في موقف أضعف مقارنة بالمستثمرين المؤسسيين.

طفرة في صناديق الكريبتو والاستثمارات الخاصة

وتشير بيانات «مورنينج ستار» إلى ارتفاع ملحوظ في عدد صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالعملات المشفرة منذ تطبيق معايير الإدراج العامة الجديدة في سبتمبر الماضي. وتوقعت شركة Bitwise Asset Management إطلاق نحو 100 صندوق جديد من هذا النوع بحلول عام 2026.

كما شهدت صناديق «Interval Funds»، وهي نوع من الصناديق المغلقة التي تستثمر في أصول خاصة، نموًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، مستفيدة من التوجه نحو إدماج الاستثمارات البديلة في خطط التقاعد. وقال بريان أرمور، محلل «مورنينج ستار»، إنه يتوقع «تدفقًا كبيرًا» لصناديق تمتلك أصولًا خاصة خلال عام 2026.

ويرى محللون أن أدوات مثل صناديق المؤشرات المتداولة أو الصناديق ذات التاريخ المستهدف لا تمثل خطرًا مفرطًا بطبيعتها، لكن مستوى المخاطر الحقيقي يرتبط بنوعية الأصول الأساسية التي تستثمر فيها.

انقسام في الرؤى داخل السوق

في المقابل، يدافع بعض العاملين في السوق عن هذا الانفتاح، معتبرين أنه يصب في مصلحة المستثمرين على المدى الطويل. وقال دنكان موير، رئيس شركة 21Shares، التي أطلقت ستة صناديق كريبتو مؤخرًا، إن الأصول الرقمية «تلعب دورًا مهمًا» في المحافظ الاستثمارية الحديثة.

كما أكد برونو سوزا، الشريك المؤسس لشركة Hashdex لإدارة الأصول الرقمية، أن أسواق رأس المال تقوم في الأساس على تمكين الأفراد من الوصول إلى المعلومات التي تساعدهم على اتخاذ «قرارات حرة ومدروسة».

وبينما تتزايد الخيارات الاستثمارية أمام الأفراد في الولايات المتحدة، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين توسيع الفرص الاستثمارية وضمان ألا يتحول هذا الانفتاح إلى عبء مخاطرة غير محسوب على «المستثمر الصغير»، في ظل سوق تتسم بتعقيد متزايد وتسارع في وتيرة الابتكار المالي.