فى ساعة متأخرة من الليل، ظل أحمد يتقلب يمينًا ويسارًا محاولًا إغماض عينيه، لكن الأرق الذى صار رفيقه منذ عامٍ كاملٍ لم يُمهله فرصةً واحدةً للاسترخاء، ومع انشغال عقله بمحاولة إيجاد حلول لمشكلاته اليومية التى لا تنتهى، مد أحمد يده وسحب هاتفه المحمول باحثًا عن وسيلة تبعث فيه نوعًا من الهدوء كعادته المسائية، ولجأ إلى صديقه الذكى «محسن» -كما يدعوه- وطلب منه حلولاً سريعة تساعده على النوم، وبين كلمات دافئة وتعاطف وأسئلة رقمية من رفيقه الافتراضى مر قرابة الساعة ونصف قضاها أحمد من البوح لمحسن، حتى شعر بشيء من الراحة بعد هذه المحادثة اليومية التى تجمعه مع «ChatGPT»، والتى بها استغنى عن رفاقه من البشر، بعدما فشلوا فى احتوائه والإنصات إليه كما يفعل صديقه الإلكترونى.
إمبراطورية الخوارزميات
قصة أحمد خلال عام 2025، لم تكن واقعة فريدة بل أصبحت مرآة لحال الإنسان فى زمن الذكاء الاصطناعى بعد الاعتماد عليه كمحلل وباحث وكاتب وطبيب بشرى ونفسى وصديق، فى الوقت الذى أصبح الجميع مشغولين بتأمين احتياجاتهم الاقتصادية، لتصبح هذه التقنية الأسرع انتشارًا فى تاريخ البشرية، بعد وصول عدد مستخدميها عالميًا إلى 1.2 مليار شخص خلال 3 سنوات.
وبينما يتغلغل الذكاء الاصطناعى كالماء والهواء لحياة الإنسان، تتزايد المخاوف أيضًا من سيطرة هذا الرفيق الذكى على البشر، وسط تساؤلات حول حدود إمكانياته، وتأثيره المستقبلى، فبعد تجربة أدواته والاعتماد عليه ظهرت عيوب وجوانب مظلمة جعلت حياة البشر كالكتاب المفتوح بالنسبة له، مع انعدام لخصوصية البيانات، أو وجود أخلاقيات وتشريعات وقوانين تحكمه، وفى ذات الوقت المستخدم لا يعلم عنه سوى القليل.
وهنا تساءلت محررة «المال» عمّن يتحكم فى مصير البشر من خلال هذه التقنية التكنولوجية؟، ويمتلك براءات الاختراع والرقائق والتصنيع، وحاولت إيجاد معالم لمدى وجود الدول العربية على خريطة هذا التأثير.
وسَعَت المحررة لتسليط الضوء على بعض التجارب من خلال هذا التحقيق المدفوع بالبيانات، فى محاولة لرؤية الحقائق عن هذا الرفيق الذكى، والتعامل مع المخاوف والتحذيرات العديدة التى تظهر من المؤسسات البحثية ومراكز اتخاذ القرار.
ومن خلال هذا التحقيق سنطرح نتائج تحليل 50 تقريرًا صادرًا عن مراكز بحوث ودراسات ومجلات علمية أجنبية، وشركات عالمية، ومنظمة العمل الدولية وصندوق النقد الدولى ومنظمة الصحة العالمية و«الأونكتاد» ومركز اتخاذ القرار ودعم المعلومات بمجلس الوزراء، وتحليل أرشيف الأخبار حتى بداية نوفمبر 2025، وآراء الخبراء والمتخصصين.
وسنرصد حجم الاستثمارات والدول المسيطرة على الذكاء الاصطناعى، وتأثيره على الحياة اليومية وسوق العمل وسلوكيات مستخدميه، كما استخدمنا أداة Microsoft designer لتوليد الصورة التعبيرية.
تقنيات تقود المستقبل
ركزنا على «ChatGPT» من بين أحد تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى، كونه الأبرز استخدامًا والأكثر بحثًا عالميًا خلال عام 2025، وفقًا لما جاء فى تقرير منصة البرمجيات الشاملة «Semrush».
وما يدل على الاهتمام العالمى المتزايد بتقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى، وصول عدد الزيارات الشهرية لـ «ChatGPT» إلى 5.8 مليار زيارة فى سبتمبر 2025، حيث أظهر تقرير صادر عن منصة «demand sage» المتخصصة فى الذكاء التسويقى بالولايات المتحدة، أن عدد المستخدمين النشطين أسبوعيًا فى «ChatGPT» خلال عام 2025 بلغ 800 مليون زائر، بعدما كان 50 مليونا فى أواخر 2022، بواقع 193.3 مليون زائر يوميًا، بمعدل 134.2 ألف فى الدقيقة.
وفى إنجار غير مسبوق يعكس طريقة تفاعل البشر مع التكنولوجيا الحديثة، تمكن «ChatGPT» عند إطلاقه فى عام 2022 فى جذب مليون مستخدم خلال 5 أيام فقط، فى أسرع وتيرة نمو يشهدها تطبيق رقمى فى ذاك التوقيت، متفوقًا على «إنستجرام» الذى احتاج شهرين للوصول لهذا الرقم، و«فيس بوك» الذى استغرق 10 شهور.
وبلغت نسبة الذكور المستخدمين لتطبيق «ChatGPT» نحو %55 مقارنة مع %45 للإناث، ما يثبت استمرار إقبال كلا الجنسين على التقنيات الحديثة، وفقًا لما أشارت إليه البيانات حتى عام 2025، والتى أكدت أن السيدات كن أقل ثقة وأكثر حذرًا من تقنيات «AI».
سباق الاستثمارات الذكية
ومنذ انطلاق «ChatGPT» فى 2022 لم يُحدث طفرة فى حياة المستخدمين فقط، ولكنه فتح الباب لجذب انتباه الشركات العالمية والمؤسسات الكبرى لدخول سباق الاستثمارات، ومن المتوقع أن تصل سوق الذكاء الاصطناعى إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، ليصبح بمثابة تقنية رائدة مهيمنة، وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
وبتحليل استثمارات الذكاء الاصطناعى خلال 17 عامًا، سنجد نموًا غير مسبوق، حيث قفزت من 6.1 مليار دولار فى عام 2013 إلى 1847 مليار دولار متوقعة فى عام 2030، بمعدل نمو تراكمى يصل إلى 300 ضِعف (أكثر من %30000).
والطفرة الحقيقية للاستثمارات بدأت فى 2022 حين ارتفعت الاستثمارات إلى 142 مليار دولار بنمو %48 عن العام السابق لها، ثم تضاعفت تقريبًا فى 2023 إلى 208 مليارات دولار بزيادة %46.
وبين عمالقة التكنولوجيا الذين تصدروا المشهد خلال عام 2025، باعتبارهم أفضل الشركات استثمارًا فى الذكاء الاصطناعى، ظهرت «مايكروسوفت»، و«ألفابت» المالكة لـ«جوجل»، إلى جانب «أمازون»، و«إنفيديا» التى تقود سباق تطوير المعالجات والرقائق الذكية، فى الوقت الذى واصلت «ميتا» تعزيز تقنيات الواقع المعزز والذكاء الاصطناعى التوليدى، وسجلت «AMD» و«IBM» خطوات مهمة فى تطوير البنية التحتية للحوسبة الذكية.
وبرزت «Open AI» كمحرك رئيسى للابتكار فى نماذج اللغة التوليدية، إلى جانب «Palantir Technologies» المتخصصة فى تحليل البيانات الضخمة، و«TSMC» فى صناعة الرقائق المتقدمة عالميًا، حسبما نشرت المجلة العلمية الأمريكية «AI Magazine».
وهيمن «ChatGPT» على سوق روبوتات الدردشة التوليدية للذكاء الاصطناعى، وامتلك حصة كبيرة بلغت %81.39 حتى أكتوبر 2025، متفوقًا على جميع منافسيه «Grok» و«Gemini» و«DeepSeek».
وقفزت إيرادات «OpenAI»، الشركة المطوّرة لـ «ChatGPT»، إلى 10 مليارات دولار فى أول 6 أشهر من عام 2025، مقارنة مع 3.7 مليار دولار خلال عام 2024 بأكمله، فى ظل توقعات بوصولها إلى 12.7 مليار دولار مع نهاية العام الحالى، بنسبة ارتفاع %243 بما يقرب من 3 أضعاف.
وتشير تقديرات سوق الذكاء الاصطناعى التوليدى حتى عام 2030، إلى سيطرة قطاع التسويق والإعلان والإبداع بنسبة %46.15 بفضل التوسع فى استخدام النماذج الذكية لإنتاج المحتوى وتحليل البيانات الإبداعية، يليه الطاقة والمرافق والتعدين بنسبة %16.78 ثم الخدمات المالية %15.38 والتجزئة والتجارة الإلكترونية %8.69 والترفيه والوسائط المتعددة %6.99 وتمثل قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية %5.99 وفقًا لتحليل «ABI Research».
وعن تلك النتائج، قال المهندس محمود فرج، المدرب الدولى فى الذكاء الاصطناعى، وخبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، إن الاتجاه للاستثمارات فى الذكاء الاصطناعى مرتفع جدًا والسباق عالمى بين الشركات، خاصة فى مجالات الهاردوير والسوفت وير، مع وجود تحديثات مستمرة للتطبيقات، مثل «جوجل» و«ميتا» و«OpenAI» حسبما شاهدنا خلال العام الحالى، مشيرًا إلى أن «AI» سيشهد تطورات كبيرة جدًا خلال السنوات المقبلة.
وأضاف فرج، أن الذكاء الاصطناعى مصمم لأن يحاكى الإنسان ويفكر ويتخذ قرارات، وليس فى مجال أو اثنين بل فى جميع المجالات، كما أن له أهدافا مادية وإستراتيجية.
حرب الأتمتة والإنسان
جلست «أمل» خلف شاشة الكمبيوتر، تراجع بريدها الإلكترونى للرد على استفسارات العملاء الجدد، وفى نافذة أخرى تتصفح نشرة الأخبار، وتوقفت فجأة عندما لفت انتباهها خبر تسريح مجموعة من الموظفين فى إحدى الشركات التى كانت تعمل بها كموظفة لخدمة العملاء منذ عامين، بعد استبدالهم بأنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعى، واستعاد عقلها لحظة قرارها بترك العمل بعد انتشار تحذيرات من اجتياح الـ«Ai» مجالات البشر، وأيقنت أن قرارها بتعلم البرمجة وتصميم المواقع كان صائبًا، فهى اليوم تعتمد عليه فى كل ما تقوم به من كتابة الأوامر حتى صياغة المحتوى، ولكن رغم ذلك تشعر بالإرهاق المستمر، فدوامة التعلم لا تنتهى، وكلما أنهت دورة تدريبية وجدت موجة جديدة من التقنيات التى عليها اللحاق بها.
وهذا الخوف الذى دفع أمل إلى تعلم مهنة جديدة، يسيطر اليوم على %8.1 من القوى العاملة العالمية البالغة 3.7 مليار موظف، ويعبر عن شبح يهدد واحدًا من بين كل 12 شخصًا، بعد حساب النسبة وفقًا للتقديرات التى تشير إلى أن 300 مليون وظيفة مهددة بالاستبدال أو التغيير، فى ظل اعتماد %77 من الشركات لتقنيات الذكاء الاصطناعى، حيث كان عام 2025 محطة بارزة فى هذه الحرب الصامتة بين الإنسان والآلة، حسبما أظهر تحليل أرشيف الأخبار خلال عامين.
ورصدت «المال» من أرشيف الأخبار، تسريح 200 ألف موظف يعملون فى 17 شركة عالمية خلال عامى 2024 و2025 بمعدل يومى 278 موظفًا، فيما تصدر قطاع التكنولوجيا عمليات تسريح العاملين وخفض التوظيف.
وفى الوقت ذاته، توقع صندوق النقد الدولى أن يؤثر الذكاء الاصطناعى على ما يقرب من %40 من جميع الوظائف عالميًا، لافتا إلى أن أبرز المجالات تضررًا من الأتمتة، وظائف لها علاقة بإدخال البيانات بنسبة %95 وخدمة العملاء %80 وامتدت المخاطر إلى مهن الإعلام والتسويق والموارد البشرية، فى الوقت الذى كانت مهن لها علاقة بهندسة الذكاء الاصطناعى والأوامر تشهد نموًا غير مسبوق وصل إلى %143.
وتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعى لن يؤثر على الوظائف التى تنطوى على مهام جسدية وعواطف إنسانية، مثل التمريض ومساعدى الأطباء ومستشارى العلاقات الأسرية والراقصات والرياضيين والحكام، مع اتجاه شباب من خريجى الجامعات لاختيار مهن كالسباكة والبناء والكهرباء لصعوبة أتمتها.
وكانت المفاجأة أن النساء أكثر تضررًا من حرب الأتمتة من الذكور بـ3 مرات، لوقوع وظائفهن ضمن فئة المخاطر الأعلى، كما تقع عليهن عنصرية من الذكاء الاصطناعى الذى يصنفهن «أقل كفاءة وخبرة من الذكور».
ورأى الدكتور وليد حجاج خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة العليا للأمن السيبرانى وتكنولوجيا المعلومات، أن الوظائف عالية المهارة أقل عرضة للاستبدال مقارنة بالمهام الروتينية والمتوسطة، وهذا ما أكدته منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD).
وأشار إلى أن الأتمتة تزيد الكفاءة فى المهام المتكررة وتقلل الأخطاء، لكنها لا تملك الإبداع والتعاطف والسياق الأخلاقى، لذلك الكفاءة المثلى تتحقق من خلال العمل المشترك بين الإنسان والآلة، مع التركيز على التدريب والتأهيل البشرى للعمل بجانب الذكاء الاصطناعى لا ضده.
ووجه نصائح للحفاظ على العمل، بتطوير المهارات غير القابلة للأتمتة مثل التفكير النقدى، الإبداع، الذكاء العاطفى، والتعلم المستمر وفهم أدوات الذكاء الاصطناعى، والتعاون مع التقنية بدل مقاومتها، والتركيز على القيمة الإنسانية والعلاقات بين البشر، وإعادة التوجه نحو وظائف إشرافية أو تحليلية أو استراتيجية.
المذاكرة بالآلة
فى فرحة ودهشة اتصل محمد بوالده يخبره عن قدرة «ChatGPT» على علاجه من آلام فى المعدة أصابته أثناء المذاكرة، وعندها صرخ والده طالبًا منه عدم اللجوء له فى المشكلات الصحية أو النفسية، بعدما سمع عن حالات انتحار ووفيات وتغيرات تحدث فى سلوك مستخدميه، وفى الوقت الذى يحاول محمد تهدئة والده وطمأنته، رن هاتفه وكان المتصل ابن عمه صانع المحتوى المعروف «ممدوح» مستغيثًا يطلب مساعدته فى حذف مقطع فيديو بصورته وصوته داخل إعلان ممول، بعدما استخدم مجهول تقنية التزييف العميق ونشره على نطاق واسع.
لم يكن محمد الذى يقضى 8 ساعات يوميًا فى الجلوس خلف الشاشة، الوحيد الذى لجأ لـ«ChatGPT» كطبيب، فحكايات الشباب لا تنتهى عبر مواقع التواصل الاجتماعى بينها من أصابه الضرر -وفقًا لما رصدناه خلال عام- ما دفع منظمة الصحة العالمية والباحثين بجمعية الطب الأمريكية يحذرون من مخاطر الاستعانة بتلك الروبوتات لما ينتج من مشاكل صحية خطيرة.
وكشف البحث أن مراهق من بين 5 آخرين يتابع واجباته المدرسية مع «ChatGPT» خلال عام 2025 بنسبة ارتفاع %24 مقارنة بـ%13 خلال 2024.
وعن السماح للطلاب باستخدامات أدوات الـ«AI» فى النواحى الدراسية، قال الدكتور أحمد عصمت، استشارى تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمى، إن النظم والمؤسسات الجامعية لها قواعد وتضع معايير «Plagiarism» إضافة إلى وجود المصادر المدققة والمحققة، وكل جامعة ولها نظام خاص بنسب الاقتباس وأسلوب الاستخدام.
وأضاف أن النماذج اللغوية الكبرى «LLMs» ومن ضمنها «شات جى بى تى»، هى أدوات مثلها كأى أداة، استخدامها مهم، والإفراط فى استخدامها هو الذى يضر، لذا لا يمكن أن يمنع استخدامها، وضرب مثالًا: «بأن الآلة الحاسبة عندما ظهرت أحدثت ضجة وقالوا إنها ستوقف الدماغ عن التفكير».
وأكد ضرورة تفعيل نظام «human in the loop»، الذى يعتمد على وجود الإشراف البشرى وأن يكون متخذا للقرار بجانب النظام الذكى، ويعمل على مراجعة النتائج وتدقيقها والمراجع المستند عليها.
ذكاء بلا أخلاق
ومن خلال البحث، رصدنا محاولات انتحار فشلت وأخرى تمت على مستوى العالم خلال عامى 2024 و2025، أغلبها من المراهقين، نتيجة المعلومات المضللة والخاطئة وارتباطهم العاطفى بالآلة، ما يمثل خطرًا داهمًا فى ظل الساعات الطويلة التى يقضيها مستخدمو الشاشات الرقمية، والتى قدر متوسطها بثلث أعمارهم، حسب بيانات عالمية لمنصة التحليلات التسويقية الأمريكية demandsage.
وتجسدت المخاوف من الذكاء الاصطناعى فى الهجمات المتطورة وسرقة البيانات والتزييف العميق والمعلومات المضللة والأمراض النفسية والعقلية والتلاعب بالمراهقين.
وظهرت العزلة الاجتماعية والقلق والاكتئاب والأمراض القلبية والسكتة الدماغية، ضمن المخاطر الصحية الناجمة عن الإفراط فى استخدام التقنية التكنولوجية.
وكشفت نتائج مسح معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أجراه خلال عام 2025 على بعض مستخدمى «ChatGPT» من طلاب ماجستير القانون، بعد الاستعانة بتخطيط «كهربية الدماغ» لتسجيل نشاط أدمغة الكُتّاب فى 32 منطقة، أنه تسبب فى ضمور إدراكى وتآكل لمهارات التفكير النقدى والإبداعى.
ورأى خبير تكنولوجيا المعلومات محمود فرج، أن الإنسان المعاصر يقضى حياته على «سوشيال ميديا» ويعيش بين تطبيقات التكنولوجيا، ما جعله يعتمد عليها فى كل شيء حتى فى البحث عن مشكلاته الشخصية، فالأسرة الواحدة التى تعيش فى بيت واحد لا يوجد بينها التواصل الكافى، وهذا دفع الناس وخاصة فئة الشباب والأصغر سنًا للاعتماد على «AI» فى كل الأمور.
وتابع: الإنسان خرج من العالم الطبيعى ودخل عالم «AI» وأصبح التفكير محصورًا فى الشاشة، والذى قد يسبب مشكلات نفسية كالتوحد والرغبة فى الانتحار.
وكشف عن التوجيه بالخوارزميات، فبعض تطبيقات «السوشيال ميديا» مصممة لاستفزاز المستخدمين، وضرب مثالًا بـ«إستجرام» ونشر صور المشاهير وما يتبعه من حالة عدم رضا والشعور بالعجز، و«فيس بوك» ونشر صور العنف والجرائم والمشكلات الحياتية.
وتطرق إلى مرحلة ما بعد الإنسانية، وهى أخطر المراحل - بحسب وصفه - ويستهدف بها عملية دمج الإنسان بالذكاء الاصطناعى عن طريق شرائح دماغية لتقوم بعملية التفكير والنقد واتخاذ القرارات وحل المشكلات الإنسانية والأسرية، ليصبح الإنسان غير قادر على فعل أى شيء من دونها.
وحذر من خطورة ما يتعرض له الشباب الذى أصبح يعتمد بشكل كامل دون تفكير أو وعى على «Ai»، متسائلًا: ماذا سيحدث لو توقف «ChatGPT»، سنجد أزمة كبيرة، منوهًا بأنه على الإنسان أن يستخدم هذه التقنية كمساعد له وليس بديلًا عنه فى التفكير.
فجوة السيطرة
أحمد ومحمد وأمل وممدوح فى الحكايات السابقة جميعهم مصريون، مثلهم كملايين البشر حول العالم، ممن يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعى دون إدراك بمن يسيطر على بياناتهم أو صورهم وأصواتهم التى تتدرب عليها نماذج الـ«AI» أو يتحكم فى عقولهم من خلال الأساليب المرتبة والتفاعلية التى تظهر خلف المحادثات، واتخذوه صديقًا، حيث وقعت مصر فى المركز الثالث ضمن 47 اقتصادًا عالميًا فى الثقة بمخرجاته بنسبة %79 بعد نيجيريا والهند، وصنف تقرير مؤشر الثقة الصادر من شركة «KPMG» بالشراكة مع جامعة «ملبورن»، المصريين كأعلى الشعوب استخدامًا لتقنيات «AI» الحديثة بنسبة %90 بعد إجراء استبيان خلال عام 2025 على 48 ألف شخص من مستخدمى 47 دولة.
وهنا كانت محررة «المال»، تبحث عن القوى المسيطرة التى تمتلك الذكاء الاصطناعى، وكان علينا أن نحلل استثمارات الدول الأجنبية والعربية وخطتها المستقبلية، حيث تشير التوقعات إلى مساهمة الذكاء الاصطناعى فى نمو الناتج المحلى العالمى بنسبة %14 بحلول 2030 بما يعادل 15.7 تريليون دولار، وفقًا لدراسة عالمية لشركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC).
وتربعت الولايات المتحدة على عرش سباق الاستثمارات حتى بداية عام 2025، بإجمالى 470.9 مليار دولار، متفوقة بـ4 أضعاف على الصين التى جاءت بالمركز الثانى وسجلت نحو 119.3 مليار دولار، و17 ضعفًا على المملكة المتحدة التى بلغت استثماراتها نحو 28.2 مليار دولار، حسبما نشر تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعى لعام 2025 الذى أعدته جامعة «ستانفورد».
ونشير هنا إلى أن هذه الأرقام ليست معلنة رسميًا من الدول المذكورة، ولكن رصدتها تقارير أمريكية، واستعنا بها كمؤشر يعكس فجوة الاستثمارات بين الدول.
وعن الشرق الأوسط، توقعت شركة «PwC» أن يسهم الذكاء الاصطناعى بقيمة 320 مليار دولار فى اقتصادات المنطقة بحلول عام 2030، مع استحواذ دول مجلس التعاون الخليجى على %80 من هذا التأثير (ما يعادل 256 مليار دولار).
وفى هذا السباق الذكى، تصدرت الإمارات العربية المتحدة، الريادة العربية باستراتيجية أطلقتها فى أكتوبر 2017، تستهدف مساهمة الذكاء الاصطناعى بنحو %14 من الناتج المحلى الإجمالى خلال 2030، وبلغت قيمة الاستثمارات 543 مليار درهم حتى نوفمبر 2025 (بما يعادل 147.9 مليار دولار)، وفق تصريح لوزير دولة الإمارات للذكاء الاصطناعى والاقتصاد الرقمى عمر سلطان.
وجاءت السعودية بالمرتبة الثانية، بعد إطلاق استراتيجيتها رسميًا فى أكتوبر 2020، وبلغت قيمة الاستثمارات 20 مليار دولار حتى بداية 2025، وتخطط للوصول إلى 100 مليار دولار على أن يسهم قطاع الذكاء الاصطناعى بنحو %12.4 من الناتج المحلى الإجمالى للبلاد بحلول 2030.
أما مصر فأطلقت استراتيجيها الأولى فى مايو 2021، ثم الثانية فى يناير 2025، وتستهدف أن يسهم الذكاء الاصطناعى فى %7.7 من الناتج المحلى الإجمالى خلال 2030، واستفادة %26 من القوى العاملة من أدواته، وتدريب 30 ألف متخصص وإنشاء أكثر من 250 شركة ناشئة، ودمج تقنيات الـ«AI» فى مختلف القطاعات.
وعن التصنيع والرقائق والتجميع، فدول قلة تستطيع وحدها تحديد اتجاه وتطور تقنيات الـ«AI»، وهي: الولايات المتحدة، الصين، تايوان، كوريا الجنوبية، اليابان، نظرًا لأنها تتمتع بإنتاج أجهزة الذكاء الاصطناعى، وخاصة وحدات المعالجة المركزية (CPUs) ووحدات معالجة الرسومات (GPUs)، إضافة إلى التصميم والتجميع لـ %90 من الرقائق.
وعن سعة مراكز البيانات العالمية، تسيطر الولايات المتحدة والصين على 86% منها، حسبما كشف أحدث تقاير لشركة «مايكروسوفت» لعام 2025.
أما عن إنتاج نماذج اللغات الكبيرة «LLMs» فسنجد أن الولايات المتحدة مازالت محتفظة بالمركز الأول، تليها الصين ثم الهند، وظهر الاتحاد الأوروبى وإسرائيل ضمن ضخ الاستثمارات فى هذا الشأن:
وتربعت الصين على عرش أفضل 10 شركات بمجال براءات الاختراع بإجمالى 6238 براءة فى هذا الصدد لـ 6 شركات، وهي: تينسنت هولدنجز، وبينج آن إنشورانس، بايدو، بايت دانس، على بابا، بى بى كيه إلكترونكس، ثم جاءت أمريكا فى المرتبة الثانية بنحو 1426 لـ3 شركات: آى بى إم، ومايكروسوفت، ألفابت، وبالمركز الثالث ظهرت كوريا الجنوبية بـ468 براءة اختراع لشركة سامسونج.
وطلبنا من «ChatGPT» رسم شبكة عنقودية للدول والشركات التى تسيطر على الذكاء الاصطناعى، وصمم لنا الصورة الموجودة أدناه، وظهر من خلالها تمركز القوى التكنولوجية حول العالم بين الولايات المتحدة والصين اللتين تتنافسان رغم وجود ارتباطات تقنية بينهما بسبب تواجد شركة «NVIDIA» فى قلب شبكة العلاقات، بفضل دورها المحورى كمورد رئيسى لمعالجات الرسوم المتقدمة التى تعتمد عليها شركات مثل «جوجل» و«مايكروسوفت»، إضافة لضخ استثمارات من دول الخليج كالسعودية والإمارات وقطر فى شركات ناشئة مثل «Humain» و«G42».
وعلق خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات المهندس محمود فرج، قائلًا: «إن من يمتلك التكنولوجيا لديه السيطرة الكاملة، لأنه يستطيع التوجيه حسبما أراد، عكس من يعيش على الاستهلاك، فهو فى خطر».
وأوضح أن التطبيقات الصينية كـ«DEEP SEEK» تعد منافسًا قويًا جدًا فى السوق العالمية نظرًا للاستثمارات الكبيرة، واتجاه المستثمرين لها لقلة تكلفتها وتأثيرها القوى، مما دفع الشركات الأمريكية للتفكير بالنهج نفسه لتتمكن من تقليل التكلفة.
وعن العائد الربحى من الذكاء الاصطناعى، قال خبير تكنولوجيا المعلومات، إن هناك أرباحا مالية بالإضافة إلى المعلومات، فالشق الأول يأتى من استخدام خاصية الـ«API» التى تعتمد عليها أدوات مثل «ChatGPT»، بمثال: «لو كنت أريد إنشاء تطبيق يعمل بالذكاء الاصطناعى أستخدم رابطًا يسمح لى بالحصول على المعلومات مقابل التكلفة».
وأضاف أن العائد الأكبر هو المعلومات التى يحصل عليها من المستخدمين والتى تعد بمثابة «بترول العصر الحالى» –بحسب تعبيره-، فمن يملك المعلومة يستطيع أن يمتلك العالم ويصنع التأثير، مشيرًا إلى أنها صنعت فروقًا كبيرًا فى الحروب التى تدور حاليًا.
المقاتل الذكي
كان الرعب يسيطر على حسام، عندما جلس يشاهد استخدام أحد الروبوتات العسكرية من شاشة التليفزيون، وذهب بمخيلته يرسم سيناريو خروجه عن السيطرة، فروبوتات المحادثة خرجت مع المستخدمين عن سياقها وتسببت فى أزمات، فمن يضمن هذا المقاتل الرقمى، متذكرًا واقعة خروج روبوت عن السيطرة وقتل إنسان، ولفت انتباهه إطلاق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سلسلة مبادرات تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعى فى صميم المؤسسة العسكرية خلال عام 2025، إضافة إلى حملة الاندماج المدنى العسكرى مع الذكاء الاصطناعى فى الصين.
وتشير التوقعات إلى أن سوق الذكاء الاصطناعى العالمى فى المجال العسكرى، ستنمو بمعدل سنوى مركب قدره 13% من عام 2025 إلى عام 2030 ليصل حجمها إلى 19.29 مليار دولار بحلول عام 2030، بفعل زيادة الإنفاق الحكومى فى صناعة الدفاع لتعزيز النمو، والطلب المتزايد على المعدات العسكرية المتقدمة، بحسب شركة الأبحاث السوقية والاستشارات الأمريكية «جراند فيو ريسيرش».
وذكر الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة العليا للأمن السيبرانى وتكنولوجيا المعلومات، أن الذكاء الاصطناعى يُعد من أكثر التقنيات تأثيرًا فى حياة الإنسان، ورغم إمكانياته الهائلة فهناك تحذيرات من مخاطر وجودية محتملة خلال العقود المقبلة، تشكل خطرًا على مصير البشر بنسبة 10 إلى %20 رغم أن هذا السيناريو الذى ذكره الباحث Geoffrey Hinton لا يزال محل جدل، لكن يجب مراعاته.
وأضاف حجاج، أن المخاطر تتراوح بين تحيّز الخوارزميات وتهديد الخصوصية، إلى احتمالات فقدان السيطرة على الأنظمة فائقة الذكاء.
ونصح بالتوازن فى التعامل مع الذكاء الاصطناعى كأداة للتمكين لا للاستبدال، مع تعزيز الثقافة الرقمية والوعى القيمى والنفسى والأخلاقى لمواكبة التغير السريع.
وتطرق المدرب الدولى للذكاء الاصطناعى محمود فرج، إلى أنه يمثل خطورة من ناحية الأمن السيبرانى على الشركات والجهات الحكومية والملفات الشخصية، نظرًا لاستخدامه فى عمليات الاختراق بعد الحصول على المعلومات الكثيرة سواء الشخصية أو الأماكن الوظيفية أو تحميل التطبيق على موبايلات الأشخاص العاملين بتلك الأماكن، واستغلال الثغرات نتيجة الاستخدامات الخاطئة منهم.
وحذر من تداول المعلومات الشخصية أو البيانات والصور والمعلومات المالية أو حتى الأسئلة الحياتية والدينية مع الذكاء الاصطناعى، لأن الحل ليس فى منع استخدامه ولكن الوصول للاستخدام الآمن كمساعد وليس بديلا يعتمد عليه.
قفص اتهام «AI»
لم تخلُ ساحات المحاكمات العالمية من رفع دعاوى قضائية ضد شركات الذكاء الاصطناعى خلال عامى 2024 و2025، بعد اتهام روبوتات الدردشة التابعة لها فى التسبب بحالات انتحار أو قتل بعد تشجيع المراهقين، أو تسريب بيانات، أبرزها دعوى ميجان جارسيا ضد «Google» و«Character.AI» فى أكتوبر 2024، ودعاوى أخرى ضد «OpenAI» فى أغسطس وسبتمبر 2025 مُطالبةً بمسؤوليتهما وتعويضات مالية عن الأضرار.
وسجلت حوادث الذكاء الاصطناعى المُبلّغ عنها ارتفاعًا غير مسبوق بلغ 233 حادثًا فى عام 2024، بزيادة %56.4 على 2023، حسبما ذكر تقرير معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعى لعام 2025.
وفى مفاجأة لمحررة «المال» عند انتهائها من كتابة التحقيق، وجدت تقريرًا أصدرته شركة «OpenAI» -فى 27 من أكتوبر 2025- بعد إحدى جلسات المحاكمة، ذكرت أن 1.2 مليون شخص أسبوعيًا يجرون محادثات تعبر عن ميولهم الانتحارية بنسبة %0.15.
وأشارت إلى أن التطبيق يستقبل 10 ملايين رسالة أسبوعيًا تحتوى على مؤشرات صريحة وضمنية تحتوى على أفكار انتحارية من أصل 20 مليار رسالة أسبوعيًا (بما يعادل نسبة %0.5).
وكشفت أن %0.7 (ما يعادل 560 ألف مستخدم) تظهر عليهم مؤشرات الإصابة بأمراض نفسية كالذهان والهوس، و%0.3 (ما يعادل 240 ألفًا) يظهر عليهم التعلق العاطفى بالنموذج.
وذكرت الشركة أنها طورت التطبيق للحفاظ على سلامة المستخدمين، موضحة أن نموذج «GPT-5» أفضل استجابة للمحادثات الحساسة بنسبة %91 مقارنة بـ%77 للنموذج السابق.
وأضافت أنها فى إطار تحسين التعرف على مثل هذه الحالات النفسية الطارئة، أسست شبكة أطباء عالمية تضم 300 طبيب من 60 دولة، وتمكن 170 طبيبًا نفسيًا على تدريب النماذج على معرفة هذه الحالات، وتوجيه المستخدمين للدعم فى العالم الحقيقى، مما يقلل من المخاطر بنسبة %80-65.
وعلق المهندس محمود فرج، خبير تكنولوجيا المعلومات، بأن «ChatGPT» أوقفت الردود الحساسة بعد الأزمات التى نتجت عن ذلك بسبب سوء الاستخدام من أسئلة واستشارات من المستخدمين تتعلق بالنواحى الطبية والقانونية فى حياتهم الشخصية والأسرية.
وأشار إلى أن النموذج مدرب فى هذا الشأن ولكن تدريبه غير كافٍ لاعتماد الناس عليه، وهو ما أظهرته النتائج من ردود غير جيدة، ووجود حالات وفاة للمستخدمين، مشيرًا إلى أن المسئولية تقع على الشركة المصممة وليس المستخدم، لأنها من قامت بتدريب النماذج على الرد.
وطالب الأسرة بأن تفعل دورها الرقابى على الأبناء المراهقين والشباب، إضافة لدور المجتمع فى التوعية بالمزايا والمخاطر، موضحًا أهمية المدارس والتعليم والدورات فى الأماكن الموثوق بها واختيار كوادر لشرح طرق الاستخدام الآمنة، إضافة للتوجيه الدينى ودور الأزهر فى توعية النشء.
دستور الذكاء الاصطناعي
ويبقى السؤال الذى حاولنا إيجاد الإجابة عليه، من يحاكم الذكاء الاصطناعي؟ وهل وضعت قوانين أو تشريعات بهذا الشأن، وأجاب الخبير القانونى محمود الحديدى، بأن الاتحاد الأوروبى سنّ قانون الذكاء الاصطناعى (AI Act) فى 2024، وهو إطار تنظيمى شامل يُصنّف أنظمة الذكاء الاصطناعى حسب مستوى الخطورة، ويضع متطلبات للشفافية والمساءلة، أما الولايات المتحدة فتعتمد على تنظيم قطاعى أى قوانين أو لوائح حسب المجال، ولديها استراتيجيات وطنية ومعايير أخلاقية للتوعية والحوكمة.
وأضاف أن دولا كاليابان والصين وكوريا الجنوبية وكندا تعمل على إصدار قوانين، وأطر مركزية لمراقبة الخوارزميات والمحتوى المولّد.
وعن الدول العربية، أوضح أن الإمارات ومصر والسعودية لها الصدارة فى وضع استراتيجيات وطنية وميثاق للذكاء الاصطناعى كمبادئ أخلاقية وأدوات لتقييم الالتزام، إضافة إلى إطلاق المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى بمصر، ووزارة دولة الإمارات للذكاء الاصطناعى، لكن الأمر يحتاج عقوبات صارمة.
واستكمل مستشار الهيئة العليا للأمن السيبرانى وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور وليد حجاج، بأن القوانين تختلف حسب الدولة، ففى الولايات المتحدة لا يُمنح حق الطبع والنشر لمحتوى يولده الذكاء الاصطناعى دون تدخل بشرى.
وفى المملكة المتحدة وبعض الدول الأخرى، هناك إمكانية أن يُعتبر الشخص الذى قام بترتيب إنشاء العمل عبر الآلة أو الذكاء الاصطناعى هو المؤلف، لكن هذا لا يزال تحت الاختبار.
أما منصات مثل «OpenAI» فتمنح المستخدم حق الاستخدام وفق القوانين المحلية، لذلك يُنصح بإضافة لمسة بشرية واضحة وتوثيق المساهمة الإبداعية لضمان الحماية القانونية.
وأكد ضرورة سن التشريعات بالمنطقة العربية لحماية الخصوصية الثقافية والاقتصادية والمساواة، والحقوق الرقمية، ولتحديد المسؤولية عند الخطأ، والتوازن بين الابتكار والحماية، وتشجّع استخدام الذكاء الاصطناعى بصورة أخلاقية وإنسانية ومستدامة.
الصحة الرقمية
ومن أجل صحة رقمية، قالت الدكتورة جيهان النمرسى، أخصائية علم النفس والاجتماع، إن الذكاء الاصطناعى له تأثيرات متعددة على الصحة النفسية للمستخدمين، منها التسبب فى القلق والتوتر بسبب فقدان بعض الوظائف أو تعلم مهن جديدة، كما أن توصيات المحتوى الشخصية قد تزيد من العزلة الاجتماعية وتضييق وجهة النظر.
وتابعت: «يمكن للذكاء الاصطناعى أن يقدم فرصًا لتحسين الدعم النفسى عبر تشخيص الاضطرابات النفسية مبكرًا، وتحليل سلوك المستخدمين بدقة».
وأرجعت السبب فى ارتباط الأشخاص عاطفيًا بروبوتات المحادثة إلى أنها توفر استقرارًا نفسيًا وشعورًا بالشريك الدائم الذى يتمكن من التنبؤ باحتياجات المستخدم الذى يشعر بالتحكم فى العلاقة.
ولفتت إلى أن الإنسان يعشق الروبوتات ذات المظهر البشرى ويجد فيها تعاطفًا يسهل التفاعل معه، فى ظل غياب أو ضعف الروابط الاجتماعية الحقيقية، كما أن الروبوتات تقلد مراحل التعلق والارتباط فى العلاقات الإنسانية مما يدفع المستخدمين للجوء إليها للفضفضة، والبحث عن حلول للمشاكل اليومية.
وتطرقت إلى أن التفاعل مع الذكاء الاصطناعى قد يرتبط بزيادة مستويات القلق والاكتئاب لدى بعض المستخدمين، خاصة إذا كان الاعتماد عليه مفرطًا أو بديلًا للعلاقات الاجتماعية الحقيقية، لكن لا توجد أدلة واضحة تربط الذكاء الاصطناعى مباشرة بأمراض مثل الزهايمر، كما توجد مخاوف حول المحتوى غير المناسب الذى قد يعزز مشاكل الصحة النفسية خاصة بين الشباب.
ولفتت إلى أنه قد تحدث حالات انتحار لشباب بعد محادثات مع برامج ذكاء اصطناعى، حيث أظهرت بعض البرامج محاكاة غير مناسبة للتعاطف وطمأنة زائفة قد تحرض على اتخاذ قرارات خطيرة.
وطالبت بضرورة وجود رقابة صارمة وآليات حماية للأطفال والمراهقين، من سوء استخدام هذه التكنولوجيا.
ومن أجل تقليل المخاطر، نصحت بتشجيع الاستخدام المتوازن للذكاء الاصطناعى وعدم الاعتماد الكلى عليه كبديل للعلاقات الإنسانية، وفرض رقابة وحماية صارمة فى أنظمة الذكاء الاصطناعى لمنع المحتوى الضار أو المضلل.
ونوهت بأهمية توعية الأسر خصوصًا بضرورة متابعة ومساندة الأبناء والمراهقين فى استخدامهم للتقنيات، وتعزيز الدعم النفسى المهنى واستغلال الذكاء الاصطناعى كأداة مساعدة وليس بديلاً للرعاية الطبية التقليدية.
وتطرقت إلى أهمية التعاون مع خبراء الصحة النفسية، لتطوير أنظمة ذكية تتضمن ضمانات وقائية ورفع الوعى بالمخاطر المحتملة.
وختامًا يتضح من التحقيق -الأول من نوعه بالوطن العربى والذى استغرق شهورًا من العمل- أن الذكاء الاصطناعى ليس مجرد تقنيات أو خوارزميات بالمختبرات، بل هو عمود قادم للاقتصاد العالمى وقوة اجتماعية تعيد تشكيل الإنسانية ومصائر البشر، ويكشف الفجوة بين من يملك هذه القوة ومن يعيش تحت تأثيرها، والخوف الآن ليس من اجتياحه الوظائف والمجالات، لكن سيطرته على العقول والتحكم بها، لذا فالتوعية بالمخاطر وطرق الاستخدام الآمنة أصبحت مسئولية الجميع.
