«الطاقة النظيفة» و«الأوناش الكهربائية» تعيدان رسم خارطة الخدمات بالموانئ

دمياط والسخنة وشرق بورسعيد وأبو قير الرباعى فى مواكبة التكنولوجيا الحديثة

الخدمات بالموانئ

فى ظل المنافسة الدولية الشديدة على جذب الخطوط الملاحية وتعزيز كفاءة الخدمات اللوجستية، تسعى مصر إلى الانتقال من نموذج الموانئ التقليدية إلى الموانئ الذكية القائمة على الرقمنة وتوظيف التكنولوجيا الحديثة. ويأتى هذا التحول فى إطار رؤية الدولة لتطوير قطاع النقل البحرى وزيادة قيمته المضافة.

وأكد اللواء عصام بدوي، رئيس اتحاد الموانئ العربية، أن مفهوم الموانئ الذكية يعتمد على استخدام معدات تلقائية أو شبه تلقائية، تشمل الأوناش، ونظم التداول الرقمية، والروبوتات، إلى جانب إدارة ذكية للساحات.

وأشار إلى أن الموانئ المصرية تمتلك بالفعل بعض هذه المعدات، خصوصًا الأوناش المتقدمة من طراز “سوبر بوست بنامكس”، وأنها تتجه حاليًا وفق استراتيجية وزارة النقل ورؤية مصر 2030 نحو التحول الكامل للموانئ الذكية، وربطها رقميًا، مع التركيز على المعايير البيئية مثل تقليل التلوث البحرى وتحسين كفاءة الطاقة وربط الخدمات الإلكترونية داخل المجتمع المينائي.

وأوضح بدوى أن الموانئ المصرية شهدت مؤخرًا تطبيق أنظمة رقمية تسهّل حركة التداول، وتربط الجهات العاملة داخل الميناء عبر منصات إلكترونية موحدة، وأصبح نموذج “الميناء بدون أوراق” واقعًا ملموسًا، مع اعتماد أنظمة التتبع اللحظى للحاويات، وتطبيقات إدارة الأرصفة، وغرف التحكم لمتابعة حركة السفن بدقة. 

كما تم إدخال برامج تحليل البيانات الضخمة لمراقبة حجم التداول والتنبؤ بأوقات الذروة، وتحسين سلاسل الإمداد، بما يساهم فى تقليل زمن بقاء السفن داخل الموانئ ورفع معدل دوران الحاويات.

وأشار إلى أن محطات الحاويات الحديثة فى الموانئ المصرية تمتلك فرصة جيدة للعمل بشكل آلى كامل، نظرًا لتوافر بنية تحتية قوية، بينما تسعى الإدارات الأجنبية القائمة على تشغيلها لتحقيق أعلى معدلات تداول فى أقل فترة زمنية.

من جانبه، أوضح رئيس سابق لقطاع النقل البحرى أن التحول إلى الموانئ الذكية يواجه بعض التحديات، أبرزها الحاجة إلى توسيع البنية التحتية للطاقة الخضراء، وتسريع التكامل البحرى مع السكك الحديدية والطرق لتحقيق أقصى استفادة من مشاريع تطوير الموانئ، ودعم مشروعات الطاقة النظيفة التى تعاقدت عليها وزارة النقل والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية.

وأكد المصدر أن التحول إلى الموانئ الذكية يرفع كفاءة التشغيل بنسبة تصل إلى 50%، ويقلل الخطأ البشري، ويخفض الوقت المستغرق فى عمليات الشحن والتفريغ، كما أن الرقمنة حسّنت زمن الإفراج الجمركي، ما يعزز ثقة الخطوط الملاحية العالمية فى الموانئ المصرية. 

وأضاف أن توفير محطات كهرباء ضخمة لتغذية المعدات الحديثة، والتأكد من جاهزية الكوادر البشرية للتعامل مع الأنظمة الذكية، ورفع مستوى التكامل بين الموانئ، يمثل أولوية أساسية.

وأشار إلى أن بعض الموانئ ما تزال تواجه محدودية فى توفير بدائل الطاقة النظيفة، فيما اتخذت باقى الموانئ خطوات قوية نحو التحول للموانئ الذكية. ففى ميناء دمياط، بدأت الاستعدادات لاستقبال أوناش رصيف عملاقة وأوناش ساحات متقدمة ضمن مشروع محطة حاويات “تحيا مصر 1”، المصممة لتداول ملايين الحاويات المكافئة، مما يتطلب تحديث منظومة التشغيل والمعدات. بينما يشهد ميناء السخنة تنفيذ مشروع ضخم لتحويله إلى محور إقليمى عبر إنشاء خمسة أحواض جديدة وتطوير أرصفة تمتد 18 كيلومترًا.

كما تستمر أعمال التحديث فى موانئ الإسكندرية، والدخيلة، وغرب وشرق بورسعيد، من خلال إدخال معدات جديدة لزيادة الطاقة الاستيعابية، وتعزيز منظومة التحكم المركزي، واستخدام أنظمة تتبع مركزية، وإصدار تصاريح إلكترونية لتقليل التدخل البشرى فى مراحل التشغيل.

وأكد المصدر أن موانئ الإسكندرية ودمياط تمتلك بنية أساسية مؤهلة للتحول الكامل إلى الموانئ الذكية، مثلما هو الحال فى موانئ الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية فى غرب وشرق بورسعيد، وميناء السخنة، حيث يتم تنفيذ شبكة ألياف صناعية لإدارة العمليات بشكل آلى كامل.

كشف القبطان إسلام محمد، مدير ميناء شرق بورسعيد، عن جاهزية الميناء للتحول إلى ميناء ذكى مصنَّف كميناء أخضر، موضحًا أن مفهومى الموانئ الذكية والخضراء يتداخلان من خلال الاعتماد على الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الناتجة عن تشغيل المعدات.

وأوضح محمد أن الموانئ المصرية تعمل حاليًا على التوسع فى استخدام الأوناش الكهربائية، وتوفير خدمات تزويد السفن بالطاقة على الأرصفة، إلى جانب خطط لاستخدام الطاقة الشمسية فى تشغيل المرافق. ويرتبط التحول الذكى بالقدرة على استعادة مكانة موانئ مصر فى المؤشرات الدولية للأداء بعد تراجع تصنيف بعضها فى السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الميناء الأخضر حقق معدلات تداول مرتفعة مقارنة بالموانئ الذكية الأوتوماتيكية، التى أثبتت محدودية كفاءتها فى بعض الموانئ الخارجية، مؤكداً أن ميكنة الميناء تتطلب وجود نظم تشغيل مميكنة متكاملة. 

وأضاف أن الشاحنات والسيارات تعمل بالكهرباء فى المشروعات البحرية بالميناء، كما أن محطة الحاويات الثانية التابعة لشركة قناة السويس للحاويات، والمزودة بـ 30 ونش رصيف وساحة، سيتم تشغيلها تدريجيًا عبر كبائن يديرها عمالة متخصصة، مع استعدادها للعمل آليًا بشكل كامل، بما فى ذلك الشاحنات الكهربائية. 

وأوضح أن المفاوضات مستمرة مع هيئة الطاقة المتجددة لتأمين الكميات المطلوبة من الكهرباء شهريًا لتشغيل الطاقة الاستيعابية الكاملة للمحطة. كما استقدمت محطة “سكاى بورت” متعددة الأغراض 2 ونش موبايل يعملان بالكهرباء، إلى جانب 3 أوناش للشحن والتفريغ.

من جانبها، ترى الدكتورة أمل عصفور، الرئيسة السابقة للأكاديمية العربية للنقل البحرى ببورسعيد، أن الفرصة سانحة الآن للتحول التكنولوجى الكامل فى المشروعات الجديدة بالموانئ، نظرًا لحداثة البنية التحتية المؤهلة لاستخدام تكنولوجيا المعدات المتطورة، وعدم الاعتماد على كثافة عمالة بشرية يصعب الاستغناء عنها.

وشددت عصفور على أهمية تطوير الموانئ القديمة وتجهيزها بالبنية الأساسية اللازمة لتواكب الموانئ الذكية والخضراء، لأن الجمع بين القديم والجديد يحقق المعادلة الصعبة بين الحفاظ على فرص العمل المحلية وزيادة الإنتاجية، وتحسين مؤشرات الأداء فى التصنيفات الدولية، وتحقيق متطلبات الموانئ الخضراء. وأضافت أن الدولة أنفقت جهودًا كبيرة لتحويل الموانئ القديمة إلى موانئ من الجيل الرابع.

وأوضحت أن أكثر التطبيقات استخدامًا فى تقنيات الموانئ الذكية تشمل التحكم عن بعد فى رافعات السفن إلى الأرصفة، والتحكم الآلى بالرافعات الجسرية لتجميع الحاويات، والمركبات الموجهة آليًا عبر أجهزة استشعار عن بعد، وأعمال مراقبة الميناء للكشف المبكر عن الأعطال وتقليل فترات التوقف غير المخطط لها، وتعزيز إنتاجية أصول المحطات. 

وأكدت أن التصنيفات والتقارير الدولية تعتبر آليات ومعدات التشغيل الذكية عناصر رئيسية فى تقييم الميناء ومنظومة الخدمات واللوجستيات، محذرة من أن التطور فى هذا المجال سريع جدًا، مع تفوق بعض الموانئ العربية مثل دبى وعمان وطنجة والسعودية، التى أصبحت مراكز خبرة فى إدارة الموانئ الذكية والخضراء.

أكد مصدر بشركة هاتسيشون الصينية، المشغل لمحطة حاويات ميناء أبو قير البحري، أن المحطة تعمل بأنظمة ذكية متطورة، مشيرًا إلى أن الشركة تعتزم افتتاح محطتها الثانية فى ميناء السخنة قريبًا. 

وأوضح المصدر أن المحطة تعتمد على أنظمة تشغيل متقدمة تشمل تتبع الحاويات، والتحكم فى حركة تداولها، واستخدام شاحنات ذاتية القيادة، إلى جانب غرف تحكم مركزية لإدارة الأوناش وتعظيم كفاءة الطاقة، مما يقلل الأخطاء البشرية ويعزز الكفاءة التشغيلية.

وأضاف المصدر، الذى فضل عدم الكشف عن هويته، أن باقى معدات التداول بالمحطة، والتى تشمل 9 أوناش للساحة والرصيف، من المزمع وصولها قبل بدء التشغيل الفعلي. وقد تم الانتهاء من أعمال البنية التحتية للمحطة بطول إجمالى 1.200 متر رصيف، شملت الأرصفة والساحات والمرافق والطرق الداخلية.

ومن المتوقع أن يؤدى تطبيق التكنولوجيا الرقمية فى المحطة إلى خفض أوقات انتظار السفن لتتراوح بين 24 و36 ساعة فقط بين الرسو والتفريغ والتحميل، مع القدرة على استيعاب نحو 10 سفن حاويات يوميًا فى ذروة التشغيل.

وأشار المصدر إلى أن تطبيق مفهوم الموانئ الذكية لا يقتصر على الإدارة الإلكترونية والمعدات ذاتية الحركة، بل يشمل عناصر أخرى مهمة، أبرزها وجود منظومة دقيقة لحساب معدلات دخول وخروج شاحنات البضائع داخل الميناء، ونظام لمراقبة معدلات تداول السيارات، ومتابعة الساحات وأماكن البضائع والحاويات لمنع التكدس، وضمان سيولة مرور البضائع وحركة استلامها داخل الميناء.

أوضح الدكتور شهاب سعد، مدير التخطيط والبحوث بشركة دمياط لتداول الحاويات، أن المعدات الجديدة المستقدمة للمحطة تتوافق مع معايير الاستدامة وتقليل الانبعاثات، مشيرًا إلى تفعيل منظومة لمراقبة المهمل والرواكد آليًا، وتشغيل منظومة التعرف الآلى على الشاحنات والمعدات، بالإضافة إلى التكامل مع منظومة مجتمع الميناء عبر نافذة واحدة، والاشتراك فى منصة بوتشين كونكت العالمية كأول محطة حاويات فى شرق المتوسط.

وقد ساهمت هذه الإجراءات فى تحسين دقة وسرعة عمليات ربط السفن ومغادرتها، مع الالتزام بالمعايير الدولية للتداول والحفاظ على الكفاءة التشغيلية.

وأضاف أن التطوير لم يقتصر على الأنظمة الرقمية فقط، بل شمل تحديث البنية التحتية وخدمات المناولة، حيث بدأت عدة موانئ باستخدام أوناش كهربائية صديقة للبيئة، إلى جانب الأوناش الآلية التى يتم التحكم فيها عن بُعد، مما يقلل نسبة الخطأ ويزيد من معدلات الأمان داخل الساحات.

وأشار سعد إلى أن ميناء دمياط يجرى حاليًا تنفيذ مشاريع لربط المعدات الذكية بحساسات إلكترونية تقيس الحركة، الوزن، ودرجة الامتلاء، ما يسمح بإدارة ذكية لساحات التخزين وتخصيص مسارات آمنة للحركة داخل الميناء. 

كما تعمل جهات عدة على دمج أنظمة الذكاء الاصطناعى لتقييم المخاطر، تسهيل الإجراءات، وتحسين مسارات الشاحنات داخل وخارج الموانئ، بما يعزز الكفاءة التشغيلية ويقلل زمن الانتظار.

اشترك الآن