في تحول استراتيجي يعيد رسم ملامح الخريطة الاقتصادية العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سلسلة اتفاقات تجارية ومعدنية كبرى مع عدد من دول جنوب شرق آسيا، في خطوة تهدف إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليص اعتماد واشنطن على الصين في مجال المعادن النادرة، التي تمثل العمود الفقري لصناعات التكنولوجيا والطاقة المتقدمة، وجاءت هذه الاتفاقات بعد جولة من المحادثات “الناجحة” بين كبار المسؤولين الأمريكيين والصينيين في قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) المنعقدة في كوالالمبور، والتي أفضت إلى تفاهم أولي بشأن تهدئة التوترات التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم.
واشنطن تفتح جبهة اقتصادية في جنوب شرق آسيا
وقّع ترامب اتفاقات تجارية جديدة مع ماليزيا وتايلاند وكمبوديا تتضمن بنوداً موسعة للتعاون في سلاسل توريد المعادن الحيوية، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة التي تدخل في إنتاج الرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية والمعدات العسكرية. وبموجب الاتفاقات، ستعمل الدول الثلاث على إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية أمام التجارة مع الولايات المتحدة، مع التزام ماليزيا بعدم فرض أي قيود تصديرية على المعادن النادرة الموجهة إلى السوق الأمريكية.
البيت الأبيض أكد في بيان رسمي أن الاتفاقات تأتي ضمن “رؤية أوسع لإعادة توازن التجارة العالمية” وتحرير الاقتصاد الأمريكي من الضغوط الصينية على قطاع المعادن الحيوية. كما تتيح هذه التفاهمات لواشنطن تأمين إمدادات مستقرة من المواد الخام التي تشكل أساس الثورة الصناعية الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الخضراء.
تقارب حذر بين واشنطن وبكين
ورغم أجواء التفاؤل الحذرة، لا تزال العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تمر بمرحلة دقيقة. فقد التقى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت والممثل التجاري جيميسون غرير بنائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ وكبير المفاوضين التجاريين لي تشينغ غانغ على هامش القمة، في خامس جولة محادثات مباشرة منذ مايو الماضي. ووفق تصريحات بيسنت، فقد تم التوصل إلى “إطار عمل ناجح” يمهد لاجتماع مرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، المتوقع عقده في كوريا الجنوبية نهاية أكتوبر.
الجانبان ناقشا ملفات معقدة أبرزها السياسات الجمركية المتبادلة، صادرات المعادن النادرة، مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية، وأزمة الفنتانيل التي فرضت واشنطن بسببها تعريفات إضافية على السلع الصينية. وأكد بيسنت أن الهدف هو منع فرض رسوم جديدة بنسبة 100% على الواردات الصينية، مقابل تراجع بكين عن تشديد قيود تصدير المعادن الحيوية والمغناطيسات التي أحدثت اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية.
معركة المعادن النادرة... السلاح الاقتصادي الجديد
تمثل المعادن النادرة محور الصراع الاقتصادي الجديد بين واشنطن وبكين. فالصين تهيمن على أكثر من 70% من إنتاج وتكرير هذه العناصر عالمياً، وتفرض منذ سنوات ضوابط صارمة على تصديرها وتكنولوجيا معالجتها، ما دفع الولايات المتحدة إلى تسريع خطط تنويع مصادرها في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
في هذا السياق، تعد ماليزيا لاعباً استراتيجياً مهماً، إذ تمتلك احتياطيات تقدر بـ 16 مليون طن من المعادن النادرة. وبموجب الاتفاق الجديد، وافقت كوالالمبور على منح الشركات الأمريكية أولوية في الوصول إلى مواردها المعدنية، مع فتح الأسواق أمام الصادرات الزراعية والصناعية الأمريكية، بما في ذلك الآلات والسيارات والمنتجات الغذائية. كما التزمت الحكومة الماليزية بتبسيط إجراءات اعتماد المنتجات الأمريكية ضمن منظومة الاعتماد الحلال التي تتزعمها عالمياً.
أما تايلاند فقد أعلنت عن إزالة الرسوم الجمركية على نحو 99% من السلع الأمريكية، بينما التزمت كمبوديا بتعزيز حماية حقوق العمال والبيئة في إطار الاتفاقات الجديدة. هذه الخطوات، بحسب محللين، تمثل اختراقاً دبلوماسياً واقتصادياً يعزز نفوذ واشنطن في منطقة ظلت تاريخياً ساحة تنافس حاد بين الصين والولايات المتحدة.
توازن صعب بين المنافسة والتعاون
رغم اللغة الإيجابية التي صدرت عن الطرفين، يدرك المراقبون أن الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين لا تزال هشة. فالمحادثات السابقة فشلت في منع حروب الرسوم الجمركية وعمليات الانتقام التجاري المتبادل، خاصة بعد أن فرضت الصين قيوداً على تصدير المعادن عالية التقنية، وردت واشنطن بالتحقيق في “ممارسات تجارية غير عادلة” تتعلق بعدم التزام بكين باتفاق “المرحلة الأولى” المبرم عام 2020.
المفاوضات الأخيرة ركزت على تجنب انهيار الهدنة وتمديد العمل بها لما بعد 10 نوفمبر، في محاولة لتجنب جولة جديدة من التصعيد التجاري. وقال نائب رئيس الوزراء الصيني لي إن الجانبين “خاضا مشاورات مكثفة وبنّاءة”، مؤكداً أن “الصين تأمل أن تلتقي الولايات المتحدة في منتصف الطريق”.
إعادة رسم الخريطة الجيواقتصادية
تأتي تحركات واشنطن في وقت يتزايد فيه الاعتماد العالمي على المعادن الحيوية لتصنيع البطاريات، أشباه الموصلات، والطاقة النظيفة. وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة إلى أن الطلب على هذه العناصر قد يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2035، ما يجعل السيطرة على سلاسل توريدها مسألة أمن قومي بالنسبة للدول الكبرى.
من هذا المنطلق، تسعى إدارة ترامب إلى بناء تحالفات اقتصادية جديدة في شرق آسيا تضمن استمرار تدفق المواد الاستراتيجية بعيداً عن النفوذ الصيني، في وقت تواجه فيه بكين انتقادات متزايدة بسبب استخدامها التحكم في الموارد كأداة ضغط جيوسياسي.
واشنطن تراهن على آسيا لحل معضلة التبعية المعدنية
تدرك الولايات المتحدة أن حل أزمة المعادن النادرة لا يمكن أن يتحقق عبر العقوبات فقط، بل من خلال شراكات إنتاجية واستثمارية طويلة المدى. ومن هنا جاءت استراتيجية الانفتاح على شركاء مثل ماليزيا وتايلاند وكمبوديا لتشكيل شبكة إمداد إقليمية مستقلة تسهم في حماية الاقتصاد الأمريكي من اضطرابات السوق الصينية.
وبينما يستعد ترامب للقاء نظيره الصيني وجهاً لوجه، تترقب الأسواق العالمية ما إذا كانت هذه الجهود ستقود إلى اتفاق شامل يوازن بين المنافسة الاقتصادية والتعاون الاستراتيجي، أم أنها ستكون مجرد هدنة مؤقتة في حرب اقتصادية مفتوحة تمتد آثارها إلى مستقبل التكنولوجيا العالمية والطاقة المتجددة.
في كل الأحوال، يبدو أن الولايات المتحدة تسلك طريقاً شرقياً جديداً، قوامه التحالف مع اقتصادات آسيا الناشئة لتأمين المعادن التي ستحدد مستقبل التفوق الصناعي والعسكري في العقود المقبلة، في وقت تحاول فيه واشنطن تحرير نفسها من قيود الاعتماد الصيني وبناء نظام تجاري متعدد الأقطاب يعيد تعريف موازين القوى الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.