5 أسباب دفعت «ستاندرد آند بورز» لتحسين التصنيف الائتمانى لمصر

عبد المنعم: فجوة التمويل لا تزال تمثل تحديًا والدولار قد يتحرك بين 49 و50 جنيهًا قبل نهاية 2025

محمد عبد المنعم

جاء رفع وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتمانى لمصر مدفوعًا بخمسة عوامل رئيسية، أبرزها مرونة سعر الصرف، وتحسن المؤشرات المالية، وتوسّع قاعدة التمويل الخارجى، واستعادة ثقة المؤسسات الدولية عقب تفعيل برنامج صندوق النقد الدولى، فضلًا عن تراجع حدة المخاطر الاستراتيجية فى الإقليم، وفقًا لخبيرين مصرفيين تحدثا إلى «المال».

ورغم النظرة الإيجابية، أشار الخبيران إلى استمرار بعض الضغوط الهيكلية، وفى مقدمتها العجز التجارى، فضلًا عن التحديات المرتبطة بتصاعد حدة الحروب التجارية العالمية، والتى قد تدفع بعض المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم فى الأسواق الناشئة، ومن بينها السوق المصرية.

وأشار تقرير «ستاندرد آند بورز» إلى أن مصر شهدت تدفقات قوية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال عام 2024، كان أبرزها استثمار بقيمة 35 مليار دولار من صندوق أبوظبى السيادى فى مشروع رأس الحكمة.

عامل حاسم

قال الخبير الاقتصادى محمد فؤاد إن قرار رفع التصنيف الائتمانى لمصر جاء انعكاسًا لتكامل مجموعة من العوامل الجوهرية التى أسهمت فى تعزيز ثقة المؤسسات الدولية بالاقتصاد المصرى، وتحسين النظرة المستقبلية له.

ورفعت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتمانى السيادى طويل الأجل لمصر إلى «B» بدلًا من «B-»، مع الإبقاء على التصنيف قصير الأجل عند «B».

وأوضحت الوكالة أن النظرة المستقبلية المستقرة تعكس مزيجًا من تحسّن آفاق النمو وميزان المدفوعات من جهة، مقابل استمرار مستويات العجز والدين الحكومى المرتفعة، بما فى ذلك الالتزامات الخارجية التجارية، من جهة أخرى.

وأوضح فؤاد أن نجاح سياسة تحرير سعر الصرف كان أحد العوامل الحاسمة وراء رفع التصنيف، إذ أسهم فى توحيد سوق الصرف وتحفيز تدفقات الاستثمار، مما أعاد قدراً كبيراً من الانضباط والشفافية إلى السوق المحلية.

وأضاف أن المؤشرات المالية لمصر شهدت تحسناً ملموساً خلال الفترة الماضية، انعكس فى الاستقرار النسبى للعجز الأولى والدين العام كنسبة من الناتج المحلى، إلى جانب توسّع قاعدة التمويل الخارجى عبر القروض الميسّرة وإصدارات الصكوك والسندات، فضلاً عن الاستثمارات الاستراتيجية الإماراتية والخليجية التى عززت من الاحتياطى النقدى.

وأشار فؤاد إلى أن استعادة ثقة المؤسسات الدولية جاءت بعد تفعيل برنامج صندوق النقد الدولى وبدء تنفيذ بنوده الإصلاحية، بالتوازى مع تراجع نسبى فى حدة المخاطر الجيوسياسية قصيرة الأجل، رغم استمرار بعض التحديات فى الإقليم.

ضغوط الصرف

أضاف فؤاد إنّه رغم التحسن الملحوظ فى تدفقات النقد الأجنبى من مصادر متعددة، تشمل عائدات الصادرات وقطاع السياحة وتحويلات العاملين بالخارج إلى جانب استثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومية، فإن الضغوط الهيكلية على الاقتصاد المصرى لا تزال قائمة.

وأوضح أن العجز التجارى المسجّل عند نحو 51 مليار دولار خلال العام المالى 2024/ 2025 – وفقاً لتقرير البنك المركزى – يعكس استمرار اختلال ميزان السلع والخدمات، ما يُبقى الضغوط على سعر الصرف قائمة على المدى المتوسط، رغم التحسن النسبى فى التدفقات الدولارية.

وبين أن التوترات والحروب التجارية العالمية تمثل عاملاً إضافياً للضغط، إذ تسهم فى خروج رؤوس الأموال وتراجع شهية المخاطر تجاه الأسواق الناشئة، ومن ضمنها السوق المصرية.

ولفت الخبير الاقتصادى إلى أن تقديراته المتوسطة الأجل لا تزال كما أعلنها فى يوليو الماضى، إذ من المتوقع أن يتحرك الجنيه ضمن نطاق يتراوح بين 47.5 و50 جنيهًا للدولار خلال الأشهر الستة المقبلة، فى ضوء توازن مؤقت بين تحسن الموارد الدولارية واستمرار الضغوط على الميزان التجارى.

إصلاحات هيكلية

قال الخبير المصرفى محمد عبد المنعم إن قرار وكالة «ستاندرد آند بورز» بتحسين التصنيف الائتمانى لمصر يستند إلى مجموعة من العوامل الإيجابية التى شهدها الاقتصاد خلال الفترة الماضية.

وأوضح أن تقرير الوكالة أشار إلى أن التحول نحو نظام سعر صرف مرن فى مصر أسهم فى تحقيق نمو اقتصادى أعلى، وزيادة عوائد السياحة وتحويلات العاملين فى الخارج، إلى جانب تحسن صافى التدفقات المالية، وهو ما دعم المركز الخارجى للاقتصاد. كما سجلت الموازنة العامة فائضًا أوليًا نسبته %3.5 من الناتج المحلى الإجمالى فى السنة المالية 2025 (المنتهية فى 30 يونيو 2025).

وبيّن أن التحديات الرئيسية أمام المالية العامة لا تزال متمثلة فى خفض فاتورة الفوائد المرتفعة وتمديد متوسط آجال استحقاق الدين المحلى، مشيرًا إلى أن تحقيق تقدم فى هذين الملفين سيُسهم فى تعزيز التصنيف خلال الفترة المقبلة.

وأكد عبد المنعم أن من أبرز العوامل التى دعمت تحسين التصنيف تراجع نسبة الدين الخارجى إلى الناتج المحلى الإجمالى، وانحسار معدلات التضخم، إلى جانب تراجع حدة التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، فضلًا عن الارتفاع الملحوظ فى احتياطى النقد الأجنبى لدى البنك المركزى.

وأضاف أن هذه التطورات مجتمعة عزّزت ثقة المؤسسات الدولية ودفعت الوكالة إلى تحسين نظرتها للاقتصاد المصرى.

وفى المقابل، أشار عبد المنعم إلى أن الاقتصاد لا يزال يواجه فجوة تمويلية محدودة، قد تنعكس على سوق الصرف خلال الأشهر المقبلة، مرجحًا أن يشهد سعر الدولار بعض الارتفاعات الطفيفة ليتراوح بين 49 و50 جنيهًا بحلول نهاية العام الحالى.

وأوضح أن السبب الرئيسى لهذه الفجوة يتمثل فى استمرار العجز فى الميزان التجارى، رغم تحسن موارد النقد الأجنبى من السياحة، والصادرات، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.

الدين الخارجي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن تسهم السياسات المالية والنقدية الحالية فى تعزيز استقرار الاقتصاد المصرى على المدى المتوسط، مشيرة إلى أن الحكومة تخطط لخفض الدين العام إلى نحو %81 من الناتج المحلى الإجمالى بحلول نهاية عام 2027، مع بقاء العجز عند %7.1 فى عام 2026 قبل أن يتراجع إلى %6.9 فى عام 2028.

كما يُتوقع أن ينخفض صافى الدين الحكومى إلى %72 من الناتج المحلى فى 2028 مقارنة بنحو %75 فى عام 2024.

وأوضحت الوكالة أن زيادة مرونة سعر الصرف تسهم فى دعم النمو الاقتصادى وتعزيز الإيرادات المالية، إلى جانب تخفيف الضغوط الخارجية على الاقتصاد، مؤكدة أن دعم صندوق النقد الدولى يتيح للحكومة مساحة أكبر لتقليص العجز المالى والحفاظ على فوائض أولية، رغم استمرار ارتفاع تكاليف خدمة الدين.

كما رجحت «ستاندرد آند بورز» أن تنخفض نسبة صافى الدين الخارجى إلى %84 من إيرادات الحساب الجارى فى المتوسط خلال الفترة من 2025 إلى 2028، مقارنة بـ %134 خلال 2021 – 2024، وهو ما يعكس تحسنًا واضحًا فى المركز الخارجى للاقتصاد. 

كذلك، توقعت أن يتراجع عبء الفوائد كنسبة من الإيرادات إلى %49 بحلول عام 2028، مقارنة بـ %73 فى عام 2025، مستفيدًا من بدء دورة خفض أسعار الفائدة فى أبريل 2025 عقب تراجع معدلات التضخم.

وأكدت الوكالة أن التزام الحكومة بنظام سعر صرف مرن، إلى جانب برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولى، وتوسيع القاعدة الضريبية، وخفض الإنفاق الحكومى، إضافة إلى خطط الخصخصة الجارية، جميعها عوامل من شأنها دعم استقرار الاقتصاد الكلى واستدامة مسار الإصلاح، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية فى المنطقة.

اشترك الآن