يشهد قطاع السمسرة فى الأوراق المالية بمصر حالة من الحراك نحو التوسع الخارجى، فى خطوة تعكس رغبة بعض الشركات فى تعزيز أنشطتها والانفتاح على أسواق جديدة.
ويأتى ذلك بعد أن أعلنت شركة أصول لتداول الأوراق المالية مؤخرًا عن تأسيس شركة جديدة تحت مسمى «أصول كابيتال» للتعامل بالعملة الأجنبية، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول جدوى مثل هذه التحركات، وأبعادها، وما إذا كانت ستفتح آفاقًا جديدة أم ستضاعف من المخاطر.
ويحمل التوسع فى الأسواق الخارجية بطبيعته مزيجًا من المميزات والعيوب؛ إذ يمنح الشركات فرصة لجذب مستثمرين جدد وتبادل الخبرات، لكنه فى الوقت ذاته يتطلب دراسة دقيقة للأسواق المستهدفة، والتعامل مع تحديات تنظيمية واقتصادية وسياسية.
فى البداية، قال عادل عبد الفتاح، رئيس مجلس إدارة شركة ثمار لتداول الأوراق المالية، إن فكرة توجه الشركات المصرية لإنشاء أذرع أو شركات مثيلة للتداول بالخارج تُعد خطوة إيجابية على المستوى العام، لكن التفاصيل هى ما تحدد جدوى هذه الخطوة.
وأوضح أن نماذج الدخول إلى الأسواق الخارجية متعددة، فقد يكون من خلال تأسيس شركة جديدة، أو الدخول فى شراكة مع كيان قائم، أو حتى الاستحواذ الكامل على شركة فى بلد آخر.
وأشار إلى أن شركة مثل “أصول” على سبيل المثال قد تسعى للحصول على ترخيص فى إحدى الدول الخليجية لبدء نشاطها هناك.
وأكد عبد الفتاح أن جدوى كل خيار تعتمد فى الأساس على قدرات الشركة وإمكاناتها، لكنه يرى أن الشراكة أو التعاون المبدئى مع شركة قائمة فى سوق آخر يُعد المدخل الأفضل فى المرحلة الأولى.
وأضاف أن هذه الشراكة تتيح للشركة المصرية الاستفادة من خبرات الكيان المحلى، وعلاقاته بالسوق، فضلًا عن إتاحة فرص تبادل العملاء بين السوقين، بحيث يمكن للمستثمرين فى البلد الشريك التداول فى مصر، والعكس صحيح.
وأشار إلى أن هذه التجربة تساعد الشركات على التعرف إلى خبايا السوق الجديدة واكتساب الخبرة قبل الدخول باستثمارات كبيرة أو تحمل مخاطر أكبر.
كما شدد على أن اختيار البلد المستهدف يُمثل عنصرًا حاسمًا فى نجاح التجربة، موضحًا أن بعض الشركات واجهت تحديات فى أسواق خارجية، واضطرت إلى إنهاء استثماراتها هناك بسبب ظروف اقتصادية أو سياسية غير مستقرة.
وأضاف: “شهدنا خلال السنوات الماضية انسحاب شركات من أسواق تأثرت بالحروب أو الاضطرابات السياسية، لذلك فإن دراسة السوق بشكل دقيق أمر ضرورى قبل اتخاذ القرار”.
وكشف رئيس “ثمار لتداول الأوراق المالية” أن شركته خاضت تجربة فى ليبيا من خلال شراكة قائمة بالفعل، موضحًا: “قمنا بجولات فى أكثر من دولة، وكان لى أصدقاء بدأوا نشاط التداول الخارجى، لكننا اكتفينا فى ذلك الوقت بليبيا، إذ كانت لنا شراكة قائمة، والسوق حينها بدا واعدًا”.
قال معتز عشماوى، العضو المنتدب السابق لشركة عربية أون لاين لتداول الأوراق المالية، إن فكرة توجه بعض شركات الوساطة إلى فتح قنوات للتداول فى الأسواق الخارجية، بهدف جذب قاعدة عملاء جديدة ليست بالضرورة الخيار الأمثل لتوسيع الأنشطة.
وأوضح عشماوى أن هناك بدائل أخرى لتعزيز قاعدة العملاء، مثل المشاركة فى مؤتمرات دولية للترويج للأسواق وزيادة فرص التشبيك بين البورصات العربية، مشيرًا إلى تجربة شركة “فينتج” التى نظمت مؤتمرات لدعم الترابط بين الأسواق.
وأضاف أن دخول شركات عالمية كبرى مثل “ميريل لينش” إلى السوق المصرية أمر مستبعد، مؤكدًا أن التوسع إلى الأسواق الخارجية، خاصة الأسواق الناشئة، يحتاج إلى دراسة دقيقة، إذ لا تصلح جميع الأسواق لانتقال الشركات المصرية إليها.
ولفت عشماوى إلى أن من بين دوافع التوجه للتداول الخارجى ما يعرف بشهادات الإيداع الدولية (GDRs)، موضحًا أن هذه الآلية تتيح فرصًا للمستثمرين من خلال الاستفادة من الفجوة بين أسعار الصرف، إذ قد يكون سعر الدولار فى السوق المحلية 50 جنيهًا، بينما فى سوق الـGDR قد يصل إلى 70 جنيهًا، وهو ما يولّد عوائد إضافية.
قالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لإدارة الأصول، إن التجربة السابقة قبل عام 2011 أثبتت أن الشركات المصرية كانت تمتلك الحق فى التداول بالخارج، وهو ما منح السوق آنذاك انفتاحًا أكبر. وأكدت أنها تشجع على أن تظل السوق المصرية مفتوحة، مع إعطاء الأولوية لجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب والعملاء من الخارج.
وأوضحت أن سعى الشركات المصرية لتأسيس أذرع أو شركات تابعة لها فى أسواق خارجية يُعد خطوة طبيعية ومطلوبة؛ لأنه يتيح فرصة جذب مستثمرين جدد، وفى الوقت ذاته يساعد على الحفاظ على المستثمر الأجنبى الموجود بالفعل من خلال توفير أدوات أوسع له تمكنه من الاستثمار محليًا وخارجيًا.
وأضافت أن السوق المصرية يجب أن تتصدر قائمة الأسواق العربية من خلال التنافسية والجاذبية، يليها السوق المغربية، مشيرة فى الوقت نفسه إلى أن سوق أبوظبى تمثل تجربة جيدة.
وأكدت أنها لا تؤيد إغلاق المنصات نهائيًا، بل ترى ضرورة أن تظل السوق مفتوحة ومشجعة للمنافسة، باعتبار أن المنافسة هى المحرك الأساسى لتحسين الخدمات، وتطوير الآليات، وظهور كيانات جديدة، مع ضمان استمرار المتعاملين الحاليين.
وشددت على أن أى مستثمر يسعى دائمًا إلى تنويع محفظته الاستثمارية، وبالتالى فإن الأسواق العالمية الكبرى مثل السوق الأمريكية وأسواق أوروبا تظل الأكثر جذبًا.
وأشارت إلى أن تحقيق مصر لخطوة فعّالة فى مجال التداول بالخارج يتطلب توافر البنية الأساسية لذلك، وفى مقدمتها وجود صانع سوق قوى، معتبرة أن هذه الخطوة هى الشرط الأساسى لدعم نمو السوق وتطويرها.
أكد عمرو عبد الخالق، العضو المنتدب للفروع لشركة أسطول لتداول الأوراق المالية، أن الشركة شاركت مؤخرًا فى مؤتمر بدبى للترويج لنشاطها، مشيرًا إلى أن بعض الجهات كانت تروّج خلال الفعالية لأنشطة الفوركس غير المقننة، وهو ما رفضته الشركة بشكل قاطع، التزامًا منها بالعمل فقط داخل الإطار الرسمى والقانونى للسوق المصرية.
وأوضح عبد الخالق أن الشركة تؤيد فى الوقت ذاته الخطوات المنظمة للتوسع الخارجى، باعتبار أن شركات السمسرة المصرية يمكنها التوجه للعملاء فى أسواق خارجية – مثل السعودية أو غيرها – لكن من خلال قنوات قانونية، بهدف الترويج للسوق المصرية، وجذب المستثمرين الأجانب.
وأشار إلى أن من أبرز فوائد هذا التوجه هو توسيع نطاق النشاط، والاستفادة من تبادل الخبرات، إلى جانب المساهمة فى جذب عملة صعبة للسوق المحلية، والتعريف بالسوق المصرية أمام شرائح جديدة من المستثمرين.
وكشف العضو المنتدب أن الشركة تمتلك حاليًا مكتب تسويق فى دبى، وتخطط لافتتاح مكتب تسويق آخر فى السعودية خلال عام 2026، مشددًا على أن هذه المكاتب تقتصر على مهام الترويج والتسويق فقط. وأضاف أن الشركة تستهدف أيضًا الحصول على رخصة الفنتك خلال شهر إلى شهر ونصف، بما يتيح لها التحول بخطوات أكبر نحو التوسع والتطوير.
ولفت عبد الخالق إلى أن خطة الشركة تتضمن دخول السوق السعودية وسوق دبى كمقار رئيسية لـ«أسطول» خلال السنوات الثلاث المقبلة، وذلك بعد تجربة رخصة الفنتك بشكل كامل فى السوق المصرية، والتأكد من جاهزية البنية التكنولوجية والتشغيلية للانتقال إلى الأسواق الخارجية.
فى النهاية، يتفق الخبراء على أن التوسع الخارجى لشركات السمسرة المصرية خطوة تحمل فى طياتها فرصًا واعدة، من خلال جذب المستثمرين الجدد وتبادل الخبرات وتعزيز حضور السوق المصرية فى الخارج. لكن فى المقابل، تظل المخاطر قائمة، سواء من ناحية الأوضاع السياسية والاقتصادية فى الأسواق المستهدفة، أو من خلال التكاليف التنظيمية والبنية الأساسية المطلوبة.
وعليه، يبقى نجاح التجربة مرهونًا بقدرة الشركات على دراسة الأسواق بعناية، واختيار الشريك المناسب، والالتزام بالقوانين، إلى جانب تطوير السوق المحلية لتظل أكثر جاذبية فى عيون المستثمرين، باعتبارها القاعدة الأولى لأى توسع خارجى.
محتوى للمشتركين فقط
اشترك الآن للحصول علي كافة الأخبار الحصرية بالإضافة
لإشتراك النسخة الرقمية