السعادة فى بيئة العمل.. أين يقف الموظف المصري من العالم؟

التقدم فى العمر يقابله تحسن نسبى.. ماذا عن الشباب؟

الموظف المصري

فى مصر كما العالم، تشهد بيئات العمل تحديات عديدة - بعضها غير مسبوق - تتعلق بمدى رضا الموظفين، ورفاههم، وشعورهم بالتمكين والإنجاز فى شركاتهم ومؤسساتهم.

يواجه العالم تطورات تكنولوجية متسارعة - بعضها يثير القلق بشأن مستقبل الوظائف - إلى جانب تحولات ديموغرافية (فى التراكيب السكانية وهجرة العقول ودخول الأجيال الجديدة)، إلى جانب صعود نماذج عمل غير تقليدية.

وفى الوقت ذاته، تعانى العديد من دول العالم النامى من عوامل ضاغطة إضافية، أبرزها عدم الاستقرار الاقتصادى، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وتحديات البنية التحتية، مما يجعل بيئة العمل أكثر هشاشة، وينعكس ذلك بشكل مباشر على رفاه الموظفين واندماجهم المهنى.

وفى الأثناء تكافح الشركات لضمان ولاء موظفيها، وتهيئة بيئات العمل القادرة على جذب الكفاءات الجديدة استعدادا للمستقبل.

ومحاولات الشركات لا تأتى فقط فى ظل أهمية التسلح بكوادر نوعية من الموظفين القادرين على مجابهة تحديات السوق والتكيف مع تداعياته غير المرغوبة، لكنها تأتى أيضا فى سياق “مثبت علميا” يربط بين سعادة الموظفين وإنتاجيتهم التى تنعكس على نتائج الأعمال.

وفقا لتحليل شركة WorkL البريطانية المتخصصة فى مجال قياس وتحسين التفاعل الوظيفى، فإن قوة عاملة أكثر سعادة تؤدى إلى زيادة الإنتاجية بنسبة %20، بينما الجهد الإضافى الطوعى الذى يبذله الموظف السعيد يمكن أن يزيد ربحية الشركات بنسبة تصل إلى %36.

ولتحقيق السعادة فى مكان العمل، يتوجب أولا أن تدرك المؤسسات ماهيتها، وكونها تجربة شاملة تشمل شعور الموظف بالقيمة، والتقدير، والتحقق المالى، والتوازن النفسى، والتطور الشخصى، وهى عناصر يمكن تحويلها إلى معايير رقمية يتم إحصاؤها لكشف ملامح الحياة المهنية فى كل شركة على حدة، وفى البلد بشكل عام.

فى هذا السياق، أجرت شركة WorkL البريطانية استطلاعا تنشر جريدة المال نتائجه بشكل حصرى، على عينة من الموظفين فى سوق العمل المصرى خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2025، لتسليط الضوء على جوانب من هذا السوق المهم فى إقليمه، وقدمت مقارنة لمؤشرات السعادة الوظيفية فى بيئات العمل المصرية نسبة إلى المتوسط العالمى فى هذا الشأن.

يشير الاستطلاع فى نتائجه الرئيسية إلى اتساع الفجوة بين ما يطمح إليه الموظفون فى السوق المصرية، وبين ما يعيشونه فعليًا داخل بيئاتهم المهنية، لكن هذا لا ينفى تزايد الوعى المؤسسى بأهمية التجربة البشرية فى العمل كعامل حاسم فى الاستبقاء والإنتاجية.

يُظهر تحليل بيانات الاستطلاع أيضا أن مؤشرات رضا وشغف الموظفين فى مصر تقع باستمرار أدنى من المتوسط العالمى فى جميع جوانب تجربة الموظف التى تم استقصاؤها - بغض النظر عن العمر أو الجنس أو القطاع - وذلك عبر ما تسميه WorkL “الخطوات الست للسعادة” والتى تشمل مؤشرات حيوية لبيئة العمل الصحية وهى المكافأة والتقدير، ومشاركة المعلومات، والتمكين، وغرس الشعور بالفخر، والرضا الوظيفى، والرفاهية.

الخطوات الست تقود جميعها إلى المؤشر الرئيسى وهو: الاندماج الوظيفى (Engagement) وهى تعبير يقابل فى معناه الارتباط الوظيفى والانخراط المهنى وتفاعل الموظف فى مؤسسته وشغفه بوظيفته، أو بمعنى أكثر تبسيطا: الولاء للمؤسسة والعمل لتحقيق الإنجازات وفق حافز شخصى.

النتائج التى يكشفها الاستطلاع لا تسلط الضوء فقط على مواطن الضعف فى تجارب الموظفين بمصر، بل تُظهر أيضًا ما يحرّك طموحاتهم، وما يتطلعون إليه من تحسّن فى مجالات مثل المكافآت، وبيئة العمل، التوازن بين الحياة والعمل، وفرص النمو والتقدير، كما يُتيح الفرصة لأصحاب العمل فى مصر لفهم الصورة الكاملة، ومقارنة أدائهم بالمعدلات العالمية، ووضع خريطة طريق أكثر وعيًا نحو بيئات عمل أكثر سعادة وجاذبية.

خارطة الطريق نحو الاندماج الوظيفى 

يبدو مفهوم السعادة بشكل عام نسبى، وشخصى، ومتغير من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، لكن فى سياق العمل، تصبح السعادة أكثر من مجرد حالة وجدانية أو موقف نفسى مؤقت؛ إذ تصير مفهومًا يمكن ملاحظته، وقياسه، وتحليله، وهو الأمر الذى شغل العالم على مدى قرن كامل.

من دراسات “هوثورن” الشهيرة قبل نحو 100 عام، وحتى اليوم، بات من المؤكد أن سعادة الموظف ليست رفاهية هامشية، بل عامل محورى فى الإنتاجية والاستدامة المؤسسية.

اكتشفت دراسات “هوثورن” فى عشرينيات القرن الماضى أن مجرد إظهار الاهتمام بالموظفين يؤدى إلى تحسين الأداء، ثم تحولت نظرية الارتباط بين السعادة والإنتاج إلى علاقة سببية أثبتتها أبحاث حديثة من جامعات مرموقة مثل أكسفورد، والتى أثبتت علميًا أن الموظف السعيد أكثر إنتاجية بنسبة تصل إلى %13 مشيرة إلى أن الحالة النفسية الإيجابية فى بيئة العمل تترك أثرًا ملموسًا على الأداء، والالتزام، والولاء، والابتكار.

وبينما ظل مفهوم “السعادة” فى العمل غامضًا أو صعب القياس لسنوات، طورت المؤسسات البحثية أدوات أكثر نضجًا، تعتمد على مقاييس سلوكية ومعنوية محددة، ضمن جوانب لم تعد ضبابية أو خاضعة للتأويل الشخصى، بل أدوات قياس علمية ومقاربات سلوكية دقيقة.

من ضمن تلك المنهجيات أداة WorkL البريطانية التى طورت ما يُعرف بمنهجية “الخطوات الست”، والتى تقيس سعادة الموظفين فى أماكن العمل من خلال ستة محاور رئيسية: أولها “المكافأة والتقدير”، والتى تتعلق بشعور الموظف بعدالة الأجر ورضاه عن ساعات العمل، إلى جانب تقدير إنجازاته والاعتراف بها، أما المحور الثانى، فهو “مشاركة المعلومات”، ويقيس مدى توفر المعلومات اللازمة لأداء المهام، وانفتاح المؤسسة فى تبادل المعرفة، وسماع آراء الموظفين، وفهمهم لخطة وأهداف المؤسسة.

المحور الثالث هو “التمكين”، ويشمل ما إذا كان الموظف يمتلك الموارد اللازمة لأداء مهامه، وإذا ما كان مسموحًا له باتخاذ القرارات، ويُنظر إليه على أنه محل ثقة من قبل إدارته، أما المحور الرابع، فهو “غرس الشعور بالفخر”، ويتعلق بإحساس الموظف بقيمة ما يقوم به، ومدى فخره بالانتماء إلى مؤسسته، واستعداده لتوصية الآخرين بالعمل فيها.

فى المحور الخامس، تقيس المنهجية “الرضا الوظيفى”، الذى يشمل الاحترام المتبادل، والمتعة فى أداء العمل، والعلاقة مع المدير المباشر، وفرص التطوير المهنى، والإحساس بأن المؤسسة تُدار بكفاءة، وأخيرًا، المحور السادس هو “الرفاهية”، ويقيس شعور الموظف بأن صاحب العمل يهتم بصحته النفسية والجسدية، وقلّة تعرضه للقلق أو الضغط المرتبط بالعمل، ورضاه عن بيئة العمل المادية، وشعوره العام بالسعادة أثناء أداء مهامه.

الصورة الكاملة.. فجوات واضحة فى مشاعر الرضا

تشير بيانات استطلاع WorkL إلى أن معدل الاندماج الوظيفى العام بين الموظفين فى مصر يبلغ %67، وهو أقل من المتوسط العالمى الذى يصل إلى %75، ويُظهر الرضا الوظيفى فى مصر نسبة %68 مقابل %76 على الصعيد العالمى، فيما تشكل الرفاهية أحد أبرز نقاط الضعف، حيث تتراجع مصر بفارق 9 نقاط مئوية (%64 مقابل %73)، كما تظهر فجوات ملحوظة فى مجالى التمكين وغرس الشعور بالفخر، حيث تقل بنحو 8 نقاط مئوية مقارنة بالمستويات العالمية.

mceclip0.jpg

وتعكس هذه الفجوات الواسعة الحاجة الملحة لتدخلات مستهدفة من قبل المؤسسات المصرية، مع التركيز بشكل خاص على تحسين التعويضات والمزايا، وتوفير فرص واضحة للنمو والتطوير المهنى، وتعزيز التواصل الواضح والشفاف، إضافة إلى زيادة دعم الإدارة للموظفين. 

ورغم أن بعض المؤشرات تشير إلى أن العلاقات بين الموظفين ومديريهم المباشرين فى مصر قد تكون إيجابية نسبيًا، إلا أن الصورة الشاملة تؤكد ضرورة اعتماد تحسينات استراتيجية عميقة تعزز من تفاعل الموظفين ورضاهم، وتساعد فى تقليص الفجوات مع المعايير العالمية، مما يساهم فى رفع مستوى الأداء المؤسسى والإنتاجية.

 

 

التقدم فى العمر يقابله تحسن نسبى.. ماذا عن الشباب؟

تشير بيانات الاستطلاع إلى أن درجات الاندماج الوظيفى فى مصر تتجه نحو التحسن التدريجى مع التقدم فى العمر، حيث تبدأ من %65 للفئة العمرية 19-24 سنة لترتفع إلى %69 لدى من هم فى عمر 55 سنة فأكثر، ورغم هذا التحسن النسبى داخل السوق المحلية، تبقى مستويات الاندماج الوظيفى فى مصر أقل من المتوسط العالمى عبر جميع الفئات العمرية.

mceclip1.jpg

هذا يشير إلى أن التحديات المرتبطة بتجربة العمل فى مصر ليست مقتصرة على جيل معين، بل تعكس مشكلة واسعة النطاق تؤثر على مختلف الأعمار فى سوق العمل، ففى الفئة الأصغر عمرًا، تسجل مصر %65 مقارنة بـ %74 عالميًا، بفارق 9 نقاط مئوية، وهو أكبر تباين بين الفئات العمرية، الفئات الأخرى من 25 - 34 و35 - 44 وحتى كبار السن 55+، تظهر فجوات مشابهة تتراوح بين 4 و9 نقاط.

هذه الفجوات المستمرة عبر الفئات العمرية تؤكد وجود تحديات جوهرية أمام المؤسسات المصرية للحفاظ على بيئة عمل تحفز على الإيجابية والالتزام، بما يتماشى مع المعايير العالمية ويعزز رضا العاملين على مدى مختلف مراحل حياتهم المهنية.

 

 

قطاع الخدمات المالية يوفر أعلى نسبة من الولاء والتحفيز 

رغم أن بعض القطاعات المصرية تُعد من أبرز روافد الاقتصاد وأكثرها تطورًا، إلا أن مستويات الاندماج الوظيفى فيها لا تزال دون المتوسط العالمى. 

وتُظهر المقارنة مع الأسواق الدولية أن التحدى فى بناء بيئات عمل محفزة وفعالة لا يقتصر على القطاعات الناشئة أو المتعثرة، بل يشمل أيضًا الصناعات التى تُصنف محليًا كقصص نجاح.

فى هذا السياق، يكشف التقرير عن فجوات متفاوتة بين السوقين المصرية والعالمية عبر خمس صناعات رئيسية: الخدمات المالية، الهندسة المعمارية والتصميم، الطاقة والمرافق، الاتصالات، والتكنولوجيا. 

ورغم تصدر هذه القطاعات لمؤشرات الأداء محليًا، فإن متوسط درجات التفاعل فيها يظل أقل من نظيره العالمى، ما يُشير إلى فرص ضائعة على صعيد تحسين تجربة العاملين، وتعزيز الولاء، والاحتفاظ بالكفاءات.

وتُسجّل فجوة التفاعل الأوضح فى قطاع التكنولوجيا، حيث يبلغ التفاعل فى مصر %70 مقارنة بـ%81 عالميًا - أى بفارق 11 نقطة مئوية، وفى قطاع الاتصالات، يبلغ التفاعل %70 مقابل %77 عالميًا، بينما تسجّل الخدمات المالية %71 فى مصر مقارنة بـ%78 عالميًا، حتى فى قطاعات مثل الطاقة والمرافق، التى تُعرف باستقرارها، تُسجّل فجوة (%70 مقابل %74).

هذه المؤشرات تدعو إلى إعادة النظر فى استراتيجيات التمكين والتحفيز داخل المؤسسات، ليس فقط لتحسين بيئة العمل بل لتعظيم المكاسب المؤسسية على المدى البعيد، إذ أن الفجوة بين الأداء الاقتصادى والتفاعل الوظيفى قد تُنتج بيئات عمل تُحقق نتائج دون إمكاناتها الحقيقية.

 

 

الذكور والإناث تحت السقف ذاته.. مستوى دون الطموح

رغم اختلاف التجارب وتنوع التوقعات بين الجنسين، تُجمع البيانات على حقيقة واحدة فى مصر: بيئة العمل لا ترضى أحدًا بشكل كامل، إذ تظهر الأرقام أن كلًّا من الموظفين الذكور والإناث فى مصر يسجلون معدلات اندماج وظيفى أقل من المتوسطات العالمية، ما يعكس فجوة واضحة فى جودة التجربة المهنية المحلية.

الرجال فى مصر يسجلون معدل رضا يبلغ %66، أقل بتسع نقاط مئوية من المعدل العالمى للرجال (%75). أما النساء، فرغم تسجيلهن نسبة أعلى قليلًا (%68)، فإنهن أيضًا دون المعدل العالمى للنساء (%75) بفارق سبع نقاط.

الفرق البسيط بين الجنسين محليًا - نقطتان فقط لصالح النساء - لا يغيّر من الصورة الكبرى: هناك تحد شامل فى جودة الحياة المهنية داخل السوق المصرية، تتطلب حلولًا جذرية لا تميّز بين موظف وموظفة، بل تستهدف تحسين التجربة للجميع، بدءًا من بيئة العمل ومرورًا بأساليب الإدارة وانتهاءً بالاهتمام الحقيقى بالرفاهية والتمكين.

 

 

نحو تعزيز الانتماء للمؤسسة.. ما هى أولويات العاملين؟

تشير بيانات سوق العمل فى مصر إلى تراجع واضح فى معنويات العاملين وانطباعاتهم تجاه بيئة العمل مقارنةً بالمعايير العالمية، مما يعكس الحاجة إلى دعم ورعاية أكبر للعاملين.

وتؤكد البيانات أن هذا الوضع متشابه بين مختلف الفئات العمرية والجنسين، حيث يظهر تحسنا بسيطا مع التقدم فى العمر، وتعبّر النساء عن مشاعر إيجابية أعلى قليلًا من الرجال، إلا أن جميع الفئات لا تزال أقل مقارنةً بنظيراتها العالمية، كما أن هذا التراجع لا يقتصر على قطاع محدد، إذ تمتد الفجوات إلى قطاعات قوية مثل الخدمات المالية، التكنولوجيا، والطاقة، مما يعكس وجود تحديات عميقة فى سوق العمل المصرية ككل.

من خلال تحليل الردود المفتوحة لسؤال “ما هى أبرز التغييرات التى يمكن أن تحسن تجربتك فى مكان العمل؟”، برزت عدة محاور أساسية تعكس أولويات العاملين فى مصر، وتشمل الثقافة التنظيمية، والقيادة، وسياسات العمل العملية. 

اللافت أن هذه المحاور تتماشى إلى حد كبير مع الاتجاهات العالمية، ما يشير إلى عوامل مشتركة تؤثر على التجربة الوظيفية رغم خصوصية السياق المحلى.

فيما يتعلق بالتعويضات، يطالب الموظفون بتحسين الأجور لتواكب مساهماتهم والتغيرات الاقتصادية مثل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، مع ضرورة مزيد من الشفافية فى أنظمة الحوافز والمكافآت، كما يطالبون بتحسين المزايا المرتبطة بالرعاية الصحية والإجازات، إضافةً إلى مبادرات مشاركة الأرباح والتقدير المستمر للجهود المبذولة.

بيئة العمل تبرز كذلك كعامل حاسم، حيث يرغب العاملون فى مكان هادئ، ونظيف، ومجهز بكافة الأدوات اللازمة، ويؤكدون أهمية الاحترام المتبادل والتعاون بين الجميع، كما أن التواصل الفعّال والشفاف من الإدارة يمثل حاجة ملحة، مع توفير فرص لتبادل الآراء وإشراك العاملين فى صنع القرار لتعزيز روح الانتماء والتفاعل.

جانب مهم آخر هو التوازن بين الحياة الشخصية والعمل، حيث يعبر العديد عن الحاجة إلى ساعات عمل مرنة، وتقليل طول الورديات، وإمكانية العمل عن بُعد، كما يطالبون بمزيد من فترات الراحة والإجازات للحفاظ على صحة نفسية وجسدية أفضل.

أما على صعيد التطوير المهنى، فتبرز رغبة قوية فى فرص تدريب مستمرة ومسارات واضحة للترقية تعتمد على الأداء والكفاءة، كما يشددون على أهمية التقدير والاعتراف المستمر بجهودهم، سواء عبر الجوائز أو الدعم المعنوى، لما لذلك من أثر إيجابى فى تعزيز الدوافع والانتماء.