دعا خبراء ومسئولو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى ضرورة تأسيس غرفة عمليات ومركز تابع لرئاسة مجلس الوزارء لإدارة أى أزمات مستقبلية بالقطاع بعد حريق سنترال رمسيس.
كما أكدوا أيضا على أهمية توزيع أحمال شبكة الاتصالات على سنترالات بديلة فى المدن الجديدة بدلا من كونها مركزية، فضلا عن إنشاء شبكة احتياطية وفق معايير الحماية العالمية، والتوسع فى الاعتماد على تكنولوجيا الحوسبة السحابية والأقمار الصناعية كبديل عن الخطوط الأرضية والتى تعتبر أكثر عرضة للتلف.
وطالبوا بأهمية تأسيس شركة وطنية لإدارة البنية التحتية الحرجة للاتصالات تحت سيطرة الدولة، مع السماح بمشاركة القطاع الخاص بنسبة محدودة وفق رقابة وتشريعات صارمة، علاوة على تنويع مقدمى خدمات البنية التحتية، وطرح مناقصات مفتوحة أمام الشركات المتخصصة، بما يعزز مرونة الشبكة واستقرار الاقتصاد الرقمي، مستشهدين بتجارب دول ناجحة أخرى فى هذا الصدد مثل كينيا، والمغرب، والإمارات.
مراجعة موقف الشبكة الفقرية
واقترح الدكتور أحمد السبكى عضو مجلس إدارة ورئيس محور تنمية الأعمال الدولية فى غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات، تشكيل لجنة موسعة تضم ممثلين عن كافة الجهات المعنية سواء وزارة الاتصالات بهيئاتها التابعة، والشركة المصرية للاتصالات، وجهات سيادية، وخبراء اتصالات مستقلين مشهودًا لهم بالكفاءة والخبرة العملية فى قطاع الاتصالات، لمراجعة موقف الشبكة الفقرية للاتصالات فى مصر، ووضع تصور يُراعى إيجاد أخرى لا تعتمد على نقطة مركزية واحدة يمكن أن تسبب انهيار أو مشكلة قومية كما حدث نتيجة حادث سنترال رمسيس.
وقال السبكى إن هذه اللجنة يجب أن تقترح أيضا أماكن لسنترالات جديدة خارج نطاق القاهرة الكبرى كبديل عن سنترال رمسيس، مع وجود أخرى تعمل احتياطيا فى حالات الطوارئ والأزمات (العاصمة الإدارية، مدينة برج العرب الجديدة، مدينة العلمين الجديدة، مدينة أسيوط الجديدة، مدينة بنى سويف الجديدة، وأى من المدن الذكية الجديدة) طبقا للقواعد العالمية المتبعة فى تحديد أماكن المواقع الاحتياطية (DR) من حيث البعد المكانى والحماية.
وأضاف أن تشكيل غرفة عمليات دائمة فى قطاع الاتصالات يمتلك صلاحيات وإجراءات للتعامل مع مثل هذه مستجدات طارئة وربطه بمركز الأزمات الرئيسى فى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، على أن يكون لهذا المركز سلطة إصدار البيانات الخاصة بأى واقعة بعد التشاور مع الجهات المعنية فى الدولة.
وتابع أن تشكيل لجنة محايدة تتولى تحديد الخسائر المباشرة التى تحملتها الشركات والجهات المختلفة من عملية انقطاع الاتصالات منذ اندلاع حريق سنترال رمسيس فى 7 يوليو الجارى ورجوع الخدمة إلى حالتها الطبيعية مرة أخري، سواء كانت شركات أو جهات مصرية تعمل فى مجال تطوير البرمجيات ونظم المعلومات، أو تقديم خدمات الدعم الفنى أو مراكز الاتصالات أو غير ذلك من الأنشطة، أو فروع لشركات أجنبية عاملة فى مصر لتقدم الخدمات لمصر أو خارج مصر، ويمكن أن يتم ذلك بالتعاون مع غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وأشار إلى ضرورة تشكيل لجنة محايدة تتولى وضع خطط تُنفذ على فترات زمنية قصيرة ومتوسطة لتصحيح الصورة الذهنية السلبية الحالية عن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى مصر نتيجة الحادث، وتحويلها إلى أخرى إيجابية للتغلب على ما حدث،والصمود فى وجه الدول المنافسة فى المنطقة وجذب مزيد من الاستثمارات فى هذا المجال.
ودعا إلى تشكيل لجنة موسعة من عدد من الجهات المعنية والخبراء المستقلين لمراجعة قواعد الأمن والأمان الفعلى والسيبرانى فى السنترالات الأخرى، والتأكد من صلاحية أجهزة الإنذار بالحريق وأجهزة الإطفاء الآلى وتنفيذ تجارب عملية على الإنذار بالحريق وعمليات الإخلاء والإطفاء.
وأوضح أن توصيل نظم اكتشاف والتحذير من الحرائق بأقسام وغرف عمليات الحماية المدنية لضغط وقت الإبلاغ عن الحرائق إلى أقل وقت ممكن، وتحديد متطلبات الأماكن الاستراتيجية الهامة (مثل السنترالات) من المواد المناسبة والمستخدمة فى مكافحة الحرائق، وتزويد أقسام الحماية المدنية القريبة منها بهذه المواد حتى يتم استخدامها أثناء مكافحة الحريق، بالإضافة إلى نظام مكافحة الحريق آليا الذى يجب توافره والتأكد من عمله بكفاءة فى هذه الأماكن.
تفكيك مركزية سنترال رمسيس
بينما أكد الدكتور عبد العزيز بسيونى خبير هندسة شبكات الاتصالات، أن المصرية للاتصالات we هى المشغل الرئيسى للبنية التحتية لشبكات الاتصالات فى مصر، حيث أنها بمثابة العمود الفقرى الشبكى الذى تعتمد عليه كافة الشركات العاملة فى السوق المحلية.
وأضاف بسيونى أن الدولة نفذت خلال العقد الأخير حزمة من الإجراءات التصحيحية لتقليل الاعتماد المفرط على سنترال رمسيس كنقطة محورية فى الربط بين شبكات الاتصالات، موضحا أن الأخير كان مسئولا عن إدارة %100 من حركة الاتصالات فى البلاد إلا أن هذه النسبة انخفضت اليوم إلى نحو 40%، بعد إعادة توزيع الأحمال على عدد من السنترالات الأخرى داخل القاهرة والإسكندرية.
بسيونى : يجب تطوير أنظمة توجيه الشبكات
وأوضح أن هناك حاجة ملحة لمواصلة هذا النهج، عبر مزيد من كسر حالة مركزية شبكة الاتصالات فى سنترال رمسيس، وتوسيع الاعتماد على سنترالات بديلة فى مناطق مثل الروضة، والفوالة، المهندسين، وألماظة، بما يضمن تقليص الضغط على سنترال رمسيس ليستحوذ على نسبة تتراوح من %20 إلى %25 فقط من إجمالى حركة الاتصالات فى مصر.
ولفت بسيونى إلى أن أحد المحاور الأساسية لتحديث البنية التحتية يتمثل فى تطوير أنظمة التوجيه الشبكي (Routing)، بما يضمن وجود مسارات بديلة يمكن اللجوء إليها فى حالات الطوارئ أو الأعطال، ما يساهم فى تعزيز استقرار الخدمة ويمنع توقفها الكامل عند حدوث أية أزمة مفاجئة.
كما دعا إلى التوسع فى اعتماد تقنيات الحوسبة السحابية على نطاق واسع، مشددًا على أنها تمثل أحد الحلول الاستراتيجية لتطوير قطاع الاتصالات فى مصر.
ورأى أن الانتشار المتزايد لكوابل الألياف الضوئية بات يتيح نقل خدمات الاتصالات بعيدًا عن المناطق العمرانية، ما يفتح المجال لاستخدام مساحات كبيرة خارج الكتلة السكنية دون التأثير على جودة الخدمة.
تكنولوجيا الأقمار الصناعية
دعا محمد الغمرى رئيس شركة إيجيبت سات لحلول الاقمار الصناعية إلى ضرورة إعادة توزيع العمود الفقرى لشبكة الإنترنت داخل مصر، عبر دعم السنترالات الفرعية مثل ألماظة، والمنصورة، والمحلة، ضمن خطة أشمل لتأمين الشبكة الوطنية، موضحًا أن هذه الخطة يجب أن تتضمن أيضاً ما وصفه بـ”الوسيط البديل”، فى إشارة إلى أهمية تبنى الاتصال عبر الأقمار الصناعية كخيار استراتيجى موازٍ للكابلات البحرية.
وأشار الغمرى إلى أن الأقمار الصناعية توفر مرونة كبيرة، حيث يمكن تثبيت أجهزة استقبال (ستالايت) على أى مبنى فى أى موقع داخل مصر، وربطها مباشرة بنقاط اتصال فى أوروبا، ما يتيح الحصول على خدمة الإنترنت بشكل لحظي، دون الحاجة إلى عمليات الحفر والبناء المعقدة التى تتطلبها الكابلات الأرضية، والتى تتسم بتكاليف تشغيلية واستثمارية مرتفعة.
الغمري: ضرورة دعم النقاط الفرعية
وأكد أنه رغم أن تكلفة تشغيل الإنترنت عبر الأقمار الصناعية لا تزال مرتفعة نسبيًا، إلا أنها تمثل خيارًا آمنًا وسريعًا، وبديلًا موثوقًا يمكن الاعتماد عليه فى حالات الطوارئ أو انقطاع الكابلات الأرضية، خاصة فى ظل تصاعد التهديدات السيبرانية والاضطرابات الجيوسياسية فى ممرات الكابلات البحرية.
وتابع أن البنية التحتية للاتصال الدولى لا تزال تعتمد على نقطتين مركزيتين فقط، سنترال رمسيس بالقاهرة وسنترال المنشية بالإسكندرية، حيث تمر من خلالهما جميع الكابلات البحرية التى تمد البلاد بخدمات الإنترنت.
وأكد أن هذا التركيز يشكل نقطة ضعف استراتيجية، نظرًا لاعتماد مصر الكامل على الكابلات البحرية فى الوصول إلى الإنترنت العالمي، وهو ما يعرض الخدمة لمخاطر الأعطال أو الهجمات السيبرانية.
تأسيس كيان وطنى
بينما شدّد المهندس هشام العلايلى الرئيس الأسبق للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، على أهمية وجود خطط محكمة ومحدَّثة بانتظام للتعامل مع الكوارث والأزمات داخل منشآت الاتصالات، بما فى ذلك إجراءات الإخلاء، ومكافحة الحرائق، والتعامل السريع مع الطوارئ، مؤكدًا أن هذه الخطط يجب أن تخضع لتدريبات دورية وميدانية لضمان الجاهزية فى اللحظات الحرجة.
العلايلى : وضع خطط محدثة لأية طوارىء
ودعا العلايلى إلى تأسيس شركة وطنية متخصصة فى إدارة البنية التحتية المحورية لقطاع الاتصالات، أى المكونات الأساسية التى تُشكّل العمود الفقرى للخدمة مثل مراكز البيانات الرئيسية، والسنترالات المحورية، ومحاور الربط الدولية، موضحًا أن هذا الكيان يجب أن يكون مملوكًا للدولة وتحت إدارتها الكاملة، لضمان أعلى مستويات التأمين السيبرانى وحماية البيانات، نظرًا لطبيعة المعلومات الحساسة التى يتعامل معها.
واقترح أن يُسمح للقطاع الخاص بالمشاركة فى هذا الكيان بنسبة أقلية، لضمان الاستفادة من الخبرات الفنية والاستثمارية، دون التأثير على السيطرة الحكومية، مع التأكيد على أهمية بناء شبكة بديلة مرنة يمكن تفعيلها فورًا فى حال تعرض الشبكة الأساسية لأى خلل أو تهديد.
وأضاف العلايلى أن هذه الخطوة ليست فقط جزءًا من استراتيجية أمن المعلومات، بل ضرورة وطنية لضمان استمرارية خدمات الاتصالات فى حالات الطوارئ، بما يعزز الأمن القومى الرقمى للدولة.
تنويع مقدمى الخدمة
قال أحمد عبد اللطيف عضو جمعية “إنترنت مصر”، إن مجرد نقل حركة الاتصالات من سنترال رمسيس إلى أخرى بديلة لا يمثل حلًا جوهريًا لمشكلات البنية التحتية الرقمية فى مصر، معتبرًا أن التركيز على نقطة أو اثنتين يجعل النظام عرضة للعطل مرة أخرى، مهما كانت درجة التحوط.
وأشار إلى العطل الكبير الذى وقع فى ديسمبر 2023 قبل أيام من انتخابات الرئاسة، حين أصيبت خدمات “المصرية للاتصالات” بخلل واسع النطاق شلّ حركة الاتصالات والإنترنت على مستوى الجمهورية، وقد أظهر التحقيق لاحقًا أن السبب كان خطأً بشريًا، مؤكدًا أن الحادث سلّط الضوء مجددًا على هشاشة النظام الحالى المعتمد على موفر واحد للبنية التحتية.
وأوضح عبد اللطيف أن مفتاح الحل يكمن فى تنويع مقدمى خدمات البنية التحتية، بحيث لا تظل “المصرية للاتصالات” هى المزود الوحيد، بل تعمل ضمن نظام متكامل تشاركى مع شركات أخرى، وهو ما من شأنه تقوية الشبكة الوطنية وتقليل احتمالات الانقطاع أو الاستهداف.
وأضاف أن تجارب دول مثل كينيا، التى تضم أكثر من 15 مشغلًا للبنية التحتية، أثبتت أن التعددية ليست مجرد خيار، بل ضرورة لضمان الاستدامة الرقمية.
وأشار إلى أن الربط البينى بين مشغلى الاتصالات وأبراج المحمول فى مصر لا يزال يتم حصريًا عبر المصرية للاتصالات، ما يضع عبئًا هائلًا على كاهل مشغل واحد، ويعوق بناء منظومة رقمية قوية.
واقترح عبد اللطيف فتح المجال أمام شركات متخصصة عبر مناقصات شفافة لتقديم خدمات البنية التحتية الرقمية، بما يسمح بإنشاء نظام بيئى مرن يمكّن مختلف الشركات من تبادل الخدمات، وهو ما يعزز من متانة الاقتصاد الرقمي.
واستشهد بعدد من التجارب الناجحة فى هذا الاتجاه، من بينها المغرب وتونس والإمارات والسعودية، التى قطعت خطوات مهمة نحو نموذج تشاركى أكثر كفاءة واستقرارًا فى قطاع الاتصالات.
أكد أن المخاوف المتعلقة بمشاركة القطاع الخاص فى مجال البنية التحتية للاتصالات لا تستند إلى مبررات واقعية، خاصة أن أى شركة يتم إنشاؤها للعمل فى هذا المجال ستكون خاضعة لإطار تشريعى واضح، وسياسات تنظيمية صارمة، بالإضافة إلى آليات رقابية فعالة تضمن الالتزام بالمعايير الأمنية والتقنية المعتمدة.
وأشار إلى أن الدور المنظم للدولة فى هذا السياق كفيل بضمان الشفافية وحماية المصلحة العامة، مع الاستفادة من خبرات واستثمارات القطاع الخاص دون المساس بالأمن القومى أو السيادة الرقمية.