خواطر مواطن مهموم 297

يوميات كسولة

أكتشف، مرة أو مرتين فى الأسبوع، موضوعًا أو مجالًا لم أدرسه قبل ذلك، ويبدو أنه "ضرورى لفهم... العالم؟ الحياة؟ الإنسان؟ العلاقات الدولية". هذا الأسبوع أمضيته بين دراسة أحوال جمهوريات آسيا الوسطى، وقراءة مراسلات فلاسفة يهود شرق أوروبيين فى الثلاثينيات من القرن الماضى، تأرجحوا بين الماركسية والصهيونية، وبين الرغبة فى البقاء بألمانيا وإدراك ضرورة الرحيل.

أحسست بأن تخصصى يحتّم عليَّ متابعة قمة "الناتو"، ولكننى لم أتحمل المشهد المُخزى لكل زعماء أوروبا، المضطرين إلى منافقة الرئيس الأمريكى، والتغنى بذكائه المزعوم، والتسبيح بحمده، والتطبيل له. رغم تهديداته لمملكة الدانمارك وقيامه بشن حروب تجارية، حمدت الله أن القمة مرت على ما يرام، دون أى حادث جلل يستوجب تحليلًا، وتعجبت من موافقة الرئيس ترامب على بيان ختامى فيه إدانة للسلوك الروسى. وتساءلت... هل هذا تغير فى لهجته سيكتب له قدرًا من الاستمرارية، أم تنازل ظرفيّ يكافئ موافقة الدول الأوروبية على رفع سقف إنفاقها الدفاعى.

ثم تساءلت... هل تستطيع الدول الأوروبية تدبير تمويل هذه الزيادة؟ هل هذا الالتزام كلام فارغ سيموت إن مرت عاصفة الرئيس الأمريكى بسلام؟ وإن كان هذا الكلام جادًّا... فستضطر الدول إما إلى الاستدانة وإما إلى تقليص الإنفاق الاجتماعى، وإما إلى رفع الضرائب، أو مزيج من كل هذا، وإن آجلًا أم عاجلًا ستدفع أغلب الحكومات الثمن انتخابيًّا ويتراجع التأييد لها وترتفع حظوظ أقصى اليمين، وربما أقصى اليسار؟ ثم تساءلت... هل هذا... صعود اليمين... الغرض الحقيقى الخفى لطلبات الرئيس ترامب، وقررت ألا أخصص وقتًا طويلًا، هذا الأسبوع، لاختبار هذه الفرضيات.

خصصت يوميًّا ساعة ونصف الساعة قبل النوم لمتابعة التحليلات الإستراتيجية حول الحرب الإسرائيلية والإيرانية، والجدل حول الأضرار التى لحقت المنشآت النووية الإيرانية. والملخّص أنه لا أحد يعلم بالضبط، لكن الأرجح أن أضرارًا جسيمة لحقت هذه المنشآت. وسمعت حديثًا لمدير وكالة الطاقة النووية لقناة فرنسية.. شرح فيها موقفه وما هو معلوم وما هو مجهول، ما لفت نظرى هو قوله إن مسئولين إيرانيين أبلغوه... قبل بداية الحرب، بأنهم يملكون كل المكونات الضرورية لصنع قنبلة نووية، وأنه رد عليهم قائلًا هذا الكلام... إن كان حقيقيًّا... يعنى أنكم قمتم بإخفاء أمور عنا بمخالفة التزاماتكم الدولية.

وبين الحين والآخر تُراودنى الرغبة فى كتابة دراسة عن الفرضيات التى أطرت إستراتيجيات الفصائل المختلفة لما يطلق عليه محور المقاومة، وأتراجع. أتراجع لأسباب تتعلق بالتوقيت، يمكن القول "فات الأوان"، ويمكن القول بالعكس إن هذا سابق لأوانه، ولأسبابٍ أخرى تتعلق بكَم القراءات المطلوبة إن رغبت فى تفادى اتهام الانطباعية. أنسى هذا، ثم أسمع كلامًا فارغًا على بعض القنوات الغربية، وأعود إلى التفكير فى الموضوع، ثم أتركه مجددًا.

شاهدت فيلمًا أوروبيًّا عن غرق الغواصة كورسك، وهى غواصة روسية ذات دفع نووى غرقت فى مطلع الألفية بعد حدوث انفجار داخلى، الفيلم ركز على معاناة البحارة فى رحلتهم إلى الموت وعلى تعامل البيروقراطية الروسية مع الحادث. الفيلم "صادق" وواقعى ومؤثر... لكن شيئًا ما ينقصه. هو ليس فيلمًا وثائقيًّا ولا فيلمًا عاديًّا.

ثم أتذكر المثل الشعبى "صاحب البالين كذاب". لا أتصور أننى كاذب. أتصور أننى فهمت عيوب التخصص، وساعدنى فى هذا عجز عدد كبير من المتخصصين عن قول كلام معقول خارج نطاق تخصصهم، وأتصور أننى أمضيت عمرى محاولًا توسيع مداركى مدمنًا القراءة والمشاهدة والاستماع إلى فرق المتخصصين، وأن طلب العلم هذا جاء على حساب أمور كثيرة، بعضها مهنى، وبعضها الآخر شخصى وأخلاقى ونفسى.

طلب العلم... هل كان نوعًا من الهروب من التزامات البالغين لسن الرشد ومن جروح عميقة لا شفاء منها؟ هل كان إخفاء ذكيًّا لكسل؟ هل كان ابن تصور ساذج نشأ عندما وصفنى زملاء المدرسة بالقاموس؟ هل كان اعتزالًا لدنيا كنت هامشيًّا فيها؟

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية