الصحافة الثقافية.. «ضحية» تفرقت دماؤها بين «الشلة» و«السياسة»

<div style="text-align: right;"><strong>فقدت الصحافة الثقافية دورها فى السنوات الأخيرة، بسبب مشكلاتها الداخلية والأحوال المجتمعية، فالصحف المتخصصة مثل أخبار الأدب والقاهرة غرقت فى مستنقع الشل


على راشد:

فقدت الصحافة الثقافية دورها فى السنوات الأخيرة، بسبب مشكلاتها الداخلية والأحوال المجتمعية، فالصحف المتخصصة مثل أخبار الأدب والقاهرة غرقت فى مستنقع الشللية، والإهمال، أما الصحف غير المتخصصة، التى كانت فيما سبق تهتم بتخصيص صفحة يومية أو أسبوعية للثقافة فأصبحت تفضل تخصيص هذه المساحات للأحداث السياسية والقضايا الحياتية الساخنة.


اليوم ومع تغير رئيس تحرير جريدة القاهرة الثقافية الأسبوعية التى تصدر عن وزارة الثقافة، بعد عقود من استمرار الكاتب صلاح عيسى فى رئاسة تحريرها، ومع عودة الروح للحياة الثقافية بعد غلبة الحراك السياسى على اهتمامات النخب المصرية فى السنوات الثلاث الماضية، تتساءل «المال» عن واقع وطموحات الصحافة الثقافية فى مصر.

الشاعر والناقد شعبان يوسف، أكد أن الصحافة الثقافية تعانى الكثير من المشكلات الحقيقية، أولاها تتمثل فى المحررين الصحفيين الذين لا يتابعون بشكل دقيق ومخلص الحياة الثقافية، ويقتصر دورهم على متابعة الصحافة الإلكترونية، دون تغطية ندوات مهمة وحمل الصحفيين عبء تخلف الصحافة الثقافية لاعتمادهم على المكالمات الهاتفية، ومواقع التواصل الاجتماعى وعدم التحرك من مكاتبهم.

وقال الشاعر سمير درويش، رئيس تحرير مجلة «الثقافة الجديدة»، آفة أى عمل فى مصر أنه ينشأ لخدمة الشخص لا الهدف، بمعنى أننى إذا أردت مجاملة شخص ما براتب شهرى معتبر، أنشئ له مطبوعة ثقافية أنفق عليها خمسين ضعف ما سيتقاضاه هذا الشخص، وبالطبع سيكون هذا الشخص متأكداً أنه فوق المحاسبة، وأن أحداً لن يجرؤ على الاقتراب منه مهما فشل، والفشل مؤكد هنا، لأنه يمتلك مساحة يسب فيها من يشاء، لأنه مسنود من المسئول، كما أنه لا يكلف نفسه عناء وضع خريطة تحدد الهدف من الإصدار، وما معايير النجاح والفشل، ومتى نحاسب المسئولين عن إدارتها.

وتعجب درويش، من أن معظم المطبوعات الثقافية تصدرها وزارة الثقافة، وتنفق عليها ملايين، وفى النهاية لا يحس بها أحد، فهيئة الكتاب وحدها تصدر إحدى عشرة مجلة لا يعرفها أحد، ولا يشتريها أحد، ومع ذلك تظل تلك المجلات مستمرة بنفس هيئات تحريرها لأكثر من ربع قرن.

وعن جريدة القاهرة أشار إلى أن تغيير هيئة تحريرها تأخر عشرين سنة كاملة، آملاً أن يستطيع رئيس التحرير الجديد سيد محمود تحويلها إلى جريدة مقروءة، وذلك بما يمتلك من مهنية وعلاقات، وعلى الأقل لأنه لا يدعى أنه مفكر لا يشق له غبار، فإذا بحثنا فى وزارة الثقافة التى تشتكى من قلة الميزانية عن أرقام توزيع الجريدة وخسائرها منذ نشأتها فى التسعينيات سنجد خسائر فادحة مع استمرار رئيس تحريرها طوال تلك المدة، فالفكرة أن الأستاذ أكبر من وزير الثقافة، ومن الوزارة كلها، وهذا هو الدليل العملى على أن وزارة الثقافة تجزل العطاء للأساتذة.

ولفت إلى أن أزمة الصحافة الثقافية هى أزمة ثقافية فى الأساس، وأزمة سياسية واجتماعية واقتصادية، وهى أزمة وطن لم ينو- حتى الآن- احترام قدرات الناس وعقولهم، والمحافظة على ممتلكاته، ولا يقدم لهم سوى الرشاوى لهذا أو ذاك.

وأكد الروائى طارق إمام، أن هناك إصدارات ثقافية كثيرة فى مصر معطلة مثل مجلة «إبداع» التى أصبحت مجلة سرية، كما فقدت جريدة «القاهرة» حضورها فى السنوات الأخيرة، وهناك مطبوعات أخرى لا يسمع أحد عنها شيئاً، وكل هذه المطبوعات تحتاج إلى تطوير وضخ دماء جديدة فيها لإعادتها للحياة من جديد، متمنياً أن يبث سيد محمود روحاً جديدة فى جريدة «القاهرة».

وأشار إلى أن أزمة الصحافة لها عدة أوجه أخرى من بينها محررو الثقافة الذين أصبحوا لا يعرفون عن الثقافة والقراءة شيئاً، ولا يعرفون مصادرهم وتاريخهم، بالإضافة إلى أن العديد من الصحف الثقافية اليومية حولت صفحتها إلى صفحة أسبوعية قبل إلغائها تماماً.

الشاعر سعيد شحاتة، قال إن التكتلات والشللية المنتشرة فى الوسط الثقافى تجعل الصحف الثقافية مخصصة لأشخاص معينين على سبيل المجاملة دون النظر إلى قيمتهم الأدبية.

كما يرى أن الصحافة المطبوعة الآن ليست ضمن أولويات الكتاب والمثقفين، فمن يرد أن يصبح نجماً فعليه أن يسعى للظهور على قناة فضائية ليكتسب جماهيرية.

ولفت إلى أن الصحافة الثقافية ساعدت فى تهميش عدد كبير من الكتاب، بينما فرضت غيرهم مما لا قيمة لهم، مدللاً على ذلك بالشاعر الكبير محمد عفيفى مطر، الذى لم يحصل على حقه على المستوى الإعلامى، هو وأسماء كبيرة فى عالم الشعر والكتابة، كما أن هناك نفياً تاماً لأدباء الأقاليم ليس الآن فقط، وإنما فى الوقت الذى كانت فيه الصحافة تقود الأمور وتظهر الوجوه الثقافية فى فترة ريادتها للمشروع الثقافى، وقد أخفقت اخفاقاً مدوياً ومخيفاً بعد سيطرة شلل المنتفعين عليها.

وأشار إلى أن هناك نماذج مهمة فى الصحافة الثقافية أدت دورها دون انتهازية مثل الكاتب إبراهيم داود، والكاتب يسرى حسان، فهما لم يصلا لمكانتهما من فراغ، ولم يطالبا أحداً باحترامهما لأن ما قدماه يجبر الجميع على هذا الاحترام.

وقال إن لدينا أكثر من 100 مجلة تصدر يومياً، ليس بها صفحة للثقافة باستثناء أربع صحف مثلاً، وأحياناً لا تجدها بسبب الحدث السياسى الذى يفضله القائمون على الصحيفة، وكانت هذه الصحف تستعين بشعراء وكتاب مثل صلاح جاهين فى الأهرام والشاعر سمير عبدالباقى فى «الدستور» وغيرهما.

أما الصحف المتخصصة فأكد أنها تراجعت للوراء ولم تصبح قادرة على تقديم شاعر حقيقى، لأن الكثير ممن اشرفوا على هذه الصحف همشوا البعض، وجاملوا آخرين وأصبحت منظومة للفساد.

أما الكاتبة نهى محمود، فترى أن الصحف الثقافية يجب أن يكون لها معاملة خاصة دون غيرها من الصحف، لأنها تخاطب فئة بعينها وهم المثقفون، والإبداع يقوم على الحرية ولا يجب تطبيق معايير الرقابة والثوابت مع الأدب، كما يتم فى الصحف الأخرى، فيجب أن تهتم الصحف الثقافية بالتنوع وتقبل الجميع.

وأكدت أن جريدة «أخبار الأدب» عادت لتحتل مكانتها، ولم تتخل عن دورها فى وقت الثورة، ورفض محرروها أن يكتبوا إلا ما يتوافق مع مبادئهم، وكان موقفهم جيداً حينما فرض عليهم رئيس تحرير لا ينتمى لتوجهاتهم الثقافية.

أما جريدة «القاهرة» فكانت هى الأخرى تؤدى دورها فى ظل رئاسة صلاح عيسى، الذى يعتبر قيمة كبيرة لأى إصدار، إلا أن التغيير جيد، وسيد محمود صحفى له لغة مختلفة ستضفى على الجريدة طعماً جديداً.

أما عن المشكلات التى تواجه المطبوعات الثقافية الصادرة عن وزارة الثقافة، فيرى أن السبب فيها هو عدم وجود دعاية كافية لها، رغم أنها تحتوى على مادة صحفية قيمة، كما أنها غير موجودة فى منافذ البيع بشكل دورى، والمجلة الوحيدة التى تجد لها صوتاً هى «الثقافة الجديدة»، وذلك لأن القائمين عليها يعلنون عنها.