«الإنتربنك» يقود السوق في اتجاه «معاكس» لمسحوبات السيولة

  محـمد بركة:   اربكت عملية سحب السيولة التي قام بها كل من البنك المركزي ووزارة المالية نهاية الاسبوع قبل الماضي قرارات تسعير العائد داخل السوق المصرفية وجاء رد فعل...


محـمد بركة:

اربكت عملية سحب السيولة التي قام بها كل من البنك المركزي ووزارة المالية نهاية الاسبوع قبل الماضي قرارات تسعير العائد داخل السوق المصرفية وجاء رد فعل عمليات «الانتربنك» سريعا ليؤكد ما رصدت «المال» مقدماته العدد الماضي.


فقد تراجعت علي نحو ملحوظ اسعار عمليات الاقراض فيما بين البنوك بقيم تراوحت بين %0.8-0.5 في المتوسط في الآجال من ليلة واحدة إلي اسبوع عقب إستئناف البنوك لنشاطها عقب سحب السيولة بالحجم الذي تم نهاية الاسبوع قبل الماضي وزادت محصلتها علي 17 مليار جنيه.

ولم تكتف عمليات «الانتربنك» بترجمة ارتباك قرارات التسعير من خلال نسب التراجع التي لم تشهدها الاسابيع الماضية بذات القيم وإنما انعكس هذا التراجع بالتوازي علي حجم العمليات التي تمت ووصلت الي حدود متدنية للغاية وصلت منتهاها يوم الثلاثاء الماضي بانخفاض حجم اجمالي العمليات الي 479 مليون جنيه فقط بإنخفاض اكثر من %60 مقارنة بالثلاثاء قبل الماضي 1.168 مليار جنيه.

رد الفعل السابق يمثل سيرا في الاتجاه «المعاكس» للهدف من عملية سحب السيولة الضخمة التي تعرض لها السوق حيث كان من المفترض ان يزيد ذلك من الطلب علي الجنيه بين البنوك ومن ثم يرتفع العائد علي عمليات الاقتراض فيما بينها وليس العكس خاصة وان «المركزي» حاول كثيرا حث البنوك علي رفع سعر العائد علي الودائع الا انها قاومت بقدر اصراره ضغوط زيادة اسعار الفائدة الدائنة.

واذا كان «المركزي» و«المالية» قد قررا زيادة الضغوط علي السوق المصرفية للاستجابة عبر تلك العملية فقد كان من المتوجب علي البنوك ان تزيد من اسعار عمليات «الانتربنك» في الأجل القصير علي الاقل في اعقاب تعرض السوق للطلب المباغت الا ان ذلك لم يحدث حيث تدنت اسعار العائد كما تدنت قيمة عمليات «الانتربنك» مخالفة في كلا الاتجاهين آليات العرض والطلب ومنطق امتصاص السيولة.

ولم يكن هذا التوجه بطبيعة الحال هو هدف صانع السياسة النقدية إلا ان سياسة تسعير العائد التي تم اتباعها في ادوات امتصاص السيولة التي شهد السوق استخدامها الخميس قبل الماضي كان من الصعب ان تقود الي نهاية مغايرة وسط صعوبة بالغة في تسعير العائد خلال الآجال القصيرة وليس الآجال المتوسطة والطويلة وحدها حيث اضطرت البنوك في الغالب الي التحفظ في اللجوء الي عمليات الانتربنك التي تضاءلت احجامها ليؤدي ذلك علي الارجح الي خفض اسعار تلك العمليات نتيجة انخفاض الطلب.

ولايوجد منطق يسمح بتفسير ذلك حتي الآن سوي استمرار وجود فوائض ضخمة لدي البنوك من السيولة في الوقت الذي يصعب عليها فيه زيادة اسعار العائد نتيجة عجزها عن تقدير ابعاد سحب السيولة وآفاق تحرك الاسعار في ظل التعارض الذي اقامه طرح الادوات المستخدمة (ربط ودائع لدي المركزي وشهادات ايداع واذون علي الخزانة) حيث جاء متوسط تسعير الودائع التي تراوحت بين نحو شهرين واربعة اشهر في حدود %10.5 بينما تسعير الاذون التي تقترب من تلك الآجال لم يزد علي %9.6 واقترب من المعدل الاخير تسعير شهادات الايداع مما اوجب صعوبة بالغة في القياس.

والمفترض ان تساعد السياسة النقدية علي ايضاح اهدافها فإذا كانت تستهدف التأثير في كمية النقود من حيث انعكاسها علي مواجهة التضخم والحد منه فلابد ان يظهر ذلك بوضوح للسوق ينعكس كذلك علي معدلات العائد التي ينبغي ان تكون قادرة علي امتصاص فوائض السيولة ليس فيما بين البنوك فقط ولكن لدي السوق بوجه عام وبما يعمل في الإطار نفسه علي زيادة معدلات الادخار القومي وهو ما لم يبدو بذات الوضوح الذي تميزت به قرارات اخري نتيجة التفاوت غير المبرر في تسعير الادوات المستخدمة في امتصاص السيولة.

وزاد من هذا الوضع المربك ان تسعير لجنة السياسة النقدية بالمركزي لـ «الكوريدور» لم يطرأ عليه تغيير عما كان سائدا خلال الفترة الماضية في الوقت الذي اعترف فيه بيانها بأن مؤشرات ارتفاع الاسعار لاتزال مستمرة في منحاها الصعودي رغم بعض التحسن الطاريء.

وقد جاء هذا التسعير في اعقاب التفاوت في تسعير العائد بين ادوات امتصاص السيولة ليؤكد صعوبة التوصل الي (BENCH MARK ) واضح يصلح اساسا لقياس اسعار العائد ويفسر ابقاء اسعار «الكوريدور» بواقع %8.75 للايداع و%10.75 للاقراض فيما تتحرك اسعار الادوات الاخري حتي يقترب حدود ما يمنحه «المركزي» من عائد للودائع المربوطة لديه مع ما يحصل عليه من مقابل للاقراض في آجال قريبة كما في اسعار «الكوريدور»!

لهذا فإنه من المرجح ما لم يتدخل «المركزي» لـ «تفسير» أو لـ «تصحيح» ما حدث ان يتواصل عجز إدارات الخزانة عن تبني سياسات تسعير واضحة للعائد.